من الأمم المتحدة إلى الخليج.. كيف عاد ملف خور عبد الله ليُربك العلاقات العراقية – الكويتية

ازهر صباح / نينوى الغد

أعادت خطوة عراقية حديثة، تمثلت بإيداع خرائط وإحداثيات بحرية لدى الأمم المتحدة، ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت إلى واجهة الجدل السياسي والدبلوماسي، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب توقيع اتفاقيات ثنائية برعاية دولية.
وأثارت هذه الخطوة اعتراضًا رسميًا من الكويت، التي اعتبرتها مساسًا بسيادتها البحرية، ما أدى إلى صدور بيانات تضامن خليجية، في وقت تؤكد فيه بغداد أن ما قامت به يندرج ضمن نطاق سيادتها الوطنية وحقوقها القانونية وفق أحكام القانون الدولي.

جذور الخلاف: ما بعد الغزو وترسيم قسري للحدود
لفهم أبعاد الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990. ففي عام 1993، اعتمد مجلس الأمن القرار 833، الذي ثبّت ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، استنادًا إلى توصيات لجنة ترسيم أممية، ضمن ترتيبات دولية هدفت إلى منع تجدد النزاع.
ورغم أن القرار حسم مسألة الحدود من الناحية القانونية الدولية، فإن بعض الجوانب التطبيقية ظلت محل إشكال، ولا سيما تنظيم الملاحة في خور عبد الله، وهو ممر مائي استراتيجي وحيوي لحركة الموانئ العراقية، وبخاصة ميناء أم قصر.

اتفاقية 2012… تسوية مؤقتة
بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين بغداد والكويت عام 2003، سعى الطرفان إلى معالجة الملفات العالقة، فوقعا عام 2012 اتفاقية لتنظيم الملاحة في خور عبد الله.
وصادق البرلمان العراقي على الاتفاقية عام 2013، وأُودعت رسميًا لدى الأمم المتحدة، لتُعد حينها خطوة باتجاه تهدئة ملف حساس ظل حاضرًا في الذاكرة السياسية العراقية.
غير أن الاتفاقية لم تُغلق الجدل داخليًا، إذ اعتبرت قوى سياسية وقانونية عراقية أن المصادقة عليها لم تراعِ الأصول الدستورية، وأنها أُقرت في ظروف سياسية ضاغطة.

حكم المحكمة الاتحادية: نقطة التحول
في سبتمبر/أيلول 2023، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكمًا مفصليًا بعدم دستورية قانون المصادقة على اتفاقية خور عبد الله.
واستندت المحكمة إلى نص الدستور العراقي، الذي يشترط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وهو ما لم يتحقق عند تمرير الاتفاقية، إذ حازت آنذاك على الأغلبية البسيطة فقط.
وأعاد هذا الحكم الملف إلى المربع الأول، وفتح الباب أمام تأويلات سياسية وقانونية متباينة، داخليًا وخارجيًا.

IMG_6477-1-913x1024 من الأمم المتحدة إلى الخليج.. كيف عاد ملف خور عبد الله ليُربك العلاقات العراقية – الكويتية

إيداع الإحداثيات… والاحتجاج الكويتي
في يناير وفبراير 2026، أودع العراق إحداثيات وخرائط جديدة لمجالاته البحرية لدى الأمم المتحدة، في خطوة قالت بغداد إنها تهدف إلى توحيد واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بمناطقه البحرية.
إلا أن الكويت رأت في هذه الخطوة محاولة لإعادة النظر في ترتيبات مستقرة، وقدمت مذكرة احتجاج رسمية اعتبرت فيها أن الخرائط العراقية تمس سيادتها على مناطق بحرية معروفة، مثل فشت القيد وفشت العيج، وهما منطقتان ضحلتان تقعان ضمن النطاق البحري الكويتي وفق الرؤية الكويتية.
كما دعت وزارة الخارجية الكويتية بغداد إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي، وما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، واحترام التفاهمات الثنائية السابقة.

بغداد ترد: حق سيادي لا يقبل التدخل
في المقابل، شددت وزارة الخارجية العراقية على أن تحديد المجالات البحرية يُعد شأنًا سياديًا خالصًا، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه، طالما جرى وفق أحكام اتفاقية قانون البحار والقواعد المعتمدة دوليًا.
وأكدت الوزارة أن الخرائط المودعة لا تمثل ترسيمًا جديدًا للحدود مع الدول المجاورة، بل هي تجميع قانوني وتقني لإجراءات سابقة، مدعومة بإحداثيات دقيقة، مع الأخذ بنظر الاعتبار التطورات الحديثة في القانون الدولي للبحار، ولا سيما ما يتعلق بتوسيع اختصاصات الدول الساحلية.

IMG_6466 من الأمم المتحدة إلى الخليج.. كيف عاد ملف خور عبد الله ليُربك العلاقات العراقية – الكويتية

مواقف خليجية رافضة للخطوة العراقية
في موازاة الاحتجاج الكويتي، أعلنت عدة دول خليجية موقفًا داعمًا للكويت ومعارضًا للخطوة العراقية المتعلقة بإيداع الإحداثيات والخرائط البحرية لدى الأمم المتحدة.
فقد أعربت السعودية عن قلقها البالغ من الإحداثيات العراقية، معتبرة أنها تشمل أجزاء من المنطقة المغمورة المقسومة المحاذية للمنطقة المقسومة السعودية – الكويتية، مؤكدة رفضها القاطع لأي ادعاءات تمس سيادة الكويت، ومشددة على ضرورة التزام العراق بقرار مجلس الأمن رقم 833 لعام 1993، واحترام مبادئ حسن الجوار.
كما أعلنت قطر تضامنها الكامل مع الكويت، مؤكدة دعمها لسيادتها التامة على مناطقها البحرية، ودعت إلى الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتفاهمات الثنائية القائمة.
بدورها، أكدت الإمارات وقوفها الثابت إلى جانب الكويت، معربة عن قلقها من الإحداثيات العراقية، ودعت بغداد إلى معالجة الخلاف عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.
وأعلنت البحرين رفضها أي ادعاءات تمس سيادة الكويت البحرية، داعية العراق إلى مراعاة العلاقات التاريخية والالتزام بقواعد القانون الدولي.
كما جدّدت سلطنة عُمان تضامنها مع الكويت، مؤكدة سيادتها على مناطقها البحرية، ودعت إلى تغليب الحوار واحترام التفاهمات والاتفاقيات الثنائية.

آراء الشارع
وعلى مستوى الرأي العام، تشهد منصات التواصل الاجتماعي مناوشات بين مواطنين عراقيين وكويتيين، حيث يرى كثير من العراقيين أحقية بلادهم في المناطق المتنازع عليها، استنادًا إلى روايات تاريخية وقانونية يعتبرون أنها لم تُنصف العراق في مراحل سابقة، فيما يتمسك الجانب الكويتي بمرجعيات دولية وقرارات أممية ثابتة.

ويبقى السؤال:
 هل يتجه الطرفان نحو تصعيد دبلوماسي جديد، أم تنجح القنوات الثنائية والدولية في احتواء الخلاف ضمن أطر قانونية هادئة، تحفظ حقوق الجميع وتمنع عودة التوتر إلى واحد من أكثر ملفات المنطقة حساسية؟

إرسال التعليق