المقالات

المجمع الفقهي.. بين الاتهام ودور المرجعية

قلم رصاص: في كل مرة يُثار فيها الجدل حول آلية اختيار رئيس ديوان الوقف السني، يعود الحديث عن المجمع الفقهي العراقي، فتتكرر الاتهامات ذاتها دون أن تُقدم عليها أدلة واضحة، وكأن مجرد تكرار الادعاء كافٍ لتحويله إلى حقيقة. غير أن القضايا التي تمس المؤسسات الدينية والقانونية لا ينبغي أن تُناقش بالشائعات، بل بالحجة والوقائع والنصوص النافذة.

إن أول ما ينبغي الوقوف عنده هو السؤال الجوهري: هل يمتلك أهل السنة مرجعية علمية وتنظيمية يرجعون إليها في النوازل والقضايا العامة، أم أن القول بأن “مرجعيتنا القرآن والسنة” يكفي لإدارة شؤون مؤسسة دينية كبيرة؟

لا خلاف بين المسلمين جميعاً على أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما الأصل الذي تُبنى عليه الأحكام. لكن هل يعني ذلك أن كل فرد أصبح مؤهلاً للاجتهاد واستنباط الأحكام مباشرة من النصوص؟ الواقع العلمي عبر أكثر من أربعة عشر قرناً يجيب بالنفي؛ إذ لم تستغن الأمة يوماً عن العلماء، ولا عن المدارس الفقهية، ولا عن المؤسسات العلمية التي تضبط الفتوى والاجتهاد وتجمع الكلمة.

ولهذا بقيت المذاهب الفقهية، وهيئات العلماء، والمجامع الفقهية، تمثل مرجعاً علمياً لأهل السنة، لا بديلاً عن القرآن والسنة، وإنما طريقاً لفهمهما وتنزيل أحكامهما على الوقائع المستجدة.

ومن هنا، فإن وجود المجمع الفقهي ليس خروجاً عن هذا الأصل، بل هو امتداد طبيعي للمنهج العلمي الذي سار عليه علماء الأمة عبر العصور.

أما الاتهام بأن المجمع الفقهي يمثل حزباً سياسياً بعينه، فهو اتهام لا يستقيم ما لم يُدعّم بأدلة واضحة وأسماء محددة. فهل أُجري تحقيق علمي أو قانوني يثبت أن أعضاء هيئة كبار العلماء في المجمع يمثلون تنظيماً سياسياً معيناً؟ وهل يكفي إطلاق الأوصاف لإسقاط مؤسسة أنشئت وفق إطار قانوني؟

إن الإنصاف يقتضي أن تكون الأحكام مبنية على البينة، لا على الانطباعات أو الخصومات السياسية.

وفي المقابل، إذا جرى سحب صلاحية ترشيح رئيس الديوان من المجمع الفقهي بحجة رفض “التسييس”، فإلى من ستؤول هذه الصلاحية؟ هل ستكون الجهة البديلة بمنأى عن التأثيرات السياسية؟ أم أن نقل الاختصاص إلى الكتل أو التوافقات الحزبية سيكون شكلاً آخر من أشكال التسييس؟

إن السؤال هنا ليس من يختار، بل أي جهة أقرب إلى الاختصاص وأبعد عن المصالح السياسية.

والقانون العراقي النافذ وضع آلية واضحة، إذ أناط بالمجمع الفقهي ترشيح ثلاثة أسماء، ثم يختار رئيس مجلس الوزراء أحدها. وهذا الترتيب لم يمنح المجمع سلطة التعيين المطلقة، وإنما جعله جهة ترشيح علمية، بينما بقي قرار التعيين النهائي بيد السلطة التنفيذية، بما يحقق نوعاً من التوازن بين المرجعية الدينية والدولة.

واللافت أن المبدأ ذاته معمول به في ديوان الوقف الشيعي، حيث تُعتمد المرجعية الدينية في إجراءات الترشيح، ولم يُطرح بجدية مطلب إلغاء هذا الدور أو نزعه من مرجعيته. فلماذا يصبح الأمر محل اعتراض عندما يتعلق بالمجمع الفقهي السني؟ إن وحدة المعايير تقتضي أن يُنظر إلى المؤسستين بالمنظار نفسه.

لقد عانى أهل السنة سنوات طويلة من غياب المرجعية الجامعة، حتى أصبح هذا الغياب مادة يتحدث عنها السياسيون والباحثون، وعدّوه أحد أسباب تشتت القرار السني. وعندما تشكل المجمع الفقهي بوصفه مؤسسة علمية ذات سند قانوني، بدأت بعض الأصوات تشكك في أصل وجوده، لا في أدائه فحسب.

والواقع أن المجتمعات لا تُدار بالشعارات، وإنما بالمؤسسات. فعندما تقع أزمة أو تنزل نازلة أو تحتاج الدولة إلى موقف شرعي موحد، فإن الجميع يبحث عن العلماء وأهل الاختصاص، لا عن الشعارات العامة. وهذا يؤكد أن الحاجة إلى مرجعية علمية ليست ترفاً، بل ضرورة لتنظيم الشأن الديني وحفظ وحدة الكلمة.

ومن الطبيعي أن تكون أي مؤسسة قابلة للنقد والتطوير، لكن ذلك ينبغي أن يكون من خلال إصلاح الأداء، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات العمل، لا من خلال إلغاء دورها أو نزع اختصاصاتها دون تقديم بديل أكثر كفاءة واستقلالاً.

أما ما يُثار بشأن الجانب المالي في ديوان الوقف السني، فهو أمر لا يرتبط باختصاص المجمع الفقهي أصلاً. فالرقابة المالية وهيئة النزاهة والجهات الرقابية المختصة هي المسؤولة عن متابعة الأموال العامة وكشف أي تجاوزات ومحاسبة المقصرين. وبالتالي فإن الخلط بين الدور العلمي للمجمع والدور الإداري أو المالي للديوان لا يستند إلى أساس موضوعي.

وفي النهاية، فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في أشخاص أو أحزاب أو استحقاقات سياسية متغيرة، لأن القوانين تُشرّع لتبقى، بينما تتبدل الحكومات والكتل والوجوه. ومن هنا فإن الحفاظ على مرجعية علمية مؤسسية لأهل السنة، مع تطويرها وتعزيز استقلاليتها، يبدو أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة من تحويل هذا الاختصاص إلى ساحة تنافس سياسي.

ويبقى السؤال المشروع: إذا كان الهدف هو حماية المؤسسة الدينية من التسييس، فهل يتحقق ذلك بإبعادها عن أهل الاختصاص، أم بتقوية المؤسسات العلمية، وتحصينها بالشفافية، وإخضاع الجميع للقانون دون استثناء؟

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *