الحصار الأمريكي على إيران يربك أسواق الطاقة.. خسائر بمئات الملايين ومخاوف من أزمة نفط عالمية
دخلت تداعيات الحصار البحري الأمريكي المشدد على إيران مرحلة جديدة، بعدما اتسعت آثاره لتتجاوز الاقتصاد الإيراني وتطال أسواق الطاقة والمال العالمية، وسط مخاوف متزايدة من اضطراب إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الخام في العالم.
وأعادت الولايات المتحدة، في 14 تموز/يوليو 2026، فرض الحصار البحري على جميع السواحل والموانئ ومحطات تصدير النفط الإيرانية، مع توسيع نطاقه ليشمل السفن المتجهة إلى إيران بغض النظر عن جنسيتها، في خطوة وصفت بأنها من أشد إجراءات الضغط الاقتصادي المفروضة على طهران خلال السنوات الأخيرة.
ويعتمد الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة على التجارة البحرية، إذ تمر أكثر من 90% من تجارة البلاد الخارجية عبر الموانئ، فيما تُقدّر الإيرادات التجارية المرتبطة بالممرات البحرية بنحو 110 مليارات دولار سنويًا، الأمر الذي يجعل أي تعطيل لحركة الملاحة ينعكس بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي.
وتشير تقديرات نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” عن خبراء اقتصاديين إلى أن الخسائر المباشرة الناتجة عن الحصار قد تصل إلى نحو 435 مليون دولار يوميًا، أي ما يقارب 13 مليار دولار شهريًا.
وتتوزع هذه الخسائر بين ما يقارب 135 إلى 139 مليون دولار يوميًا من صادرات النفط الخام، التي يخرج معظمها عبر جزيرة خرج، إضافة إلى نحو 90 مليون دولار من صادرات البتروكيماويات والأسمدة، في حين تُقدّر خسائر تعطل الواردات وارتفاع تكاليف التأمين والشحن والضغوط على العملة المحلية بنحو 159 مليون دولار يوميًا.
وتتوقع تقديرات أخرى أن ترتفع الخسائر إلى نحو 480 مليون دولار يوميًا عند احتساب الآثار غير المباشرة، مثل تعطل سداد الالتزامات المالية، والضغط على القطاع المصرفي، وتباطؤ الإنتاج الصناعي نتيجة نقص المواد الخام والسلع الوسيطة، فضلًا عن زيادة معدلات التضخم بسبب تراجع تدفقات النقد الأجنبي.
ويأتي ذلك في وقت يحتفظ فيه مضيق هرمز بأهميته الاستراتيجية، إذ تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، رغم تراجع متوسط تدفقات النفط عبره من 20.1 مليون برميل يوميًا خلال الربع الأول من عام 2025 إلى 14.6 مليون برميل يوميًا في الفترة نفسها من عام 2026، نتيجة تصاعد التوترات الأمنية.
ومع بدء تنفيذ الحصار، أعلنت واشنطن أن الإجراءات تشمل جميع الموانئ الإيرانية والسفن المتجهة إليها، مع استثناء السفن المحايدة التي لا تقصد الموانئ الإيرانية، فيما أفادت تقارير بقيام البحرية الأمريكية بتحويل مسار عدد من السفن التجارية وتعطيل أخرى بعد عدم امتثالها لتعليمات الحصار.
في المقابل، لوّحت إيران بإمكانية توسيع دائرة التصعيد عبر تهديد ممرات تصدير أخرى في المنطقة، من بينها مضيق باب المندب، مع مؤشرات على تجهيز سفن لمحاولة كسر الحصار، بالتزامن مع استمرار تبادل الرسائل السياسية بين واشنطن وطهران بشأن أمن الملاحة في الخليج.
وانعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق النفط، إذ ارتفع خام برنت بنحو 10% عقب إعادة فرض الحصار ليصل إلى نحو 83.30 دولارًا للبرميل، قبل أن يواصل مكاسبه مسجلًا نحو 84.73 دولارًا، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف يونيو الماضي.
ويرى محللون أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز، حتى من دون إغلاقه بالكامل، سيبقي أسعار النفط تحت ضغوط صعودية نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات، بينما قد يؤدي أي إغلاق كامل للمضيق إلى أزمة طاقة عالمية ذات تداعيات واسعة.
كما دفعت حالة عدم اليقين المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الذهب والدولار باعتبارهما من أبرز الملاذات الآمنة، في وقت تحذر فيه مؤسسات مالية من أن استمرار الأزمة قد يُبقي معدلات التضخم العالمية عند مستويات مرتفعة، ويؤخر توجه البنوك المركزية نحو خفض أسعار الفائدة.
ويرجح مراقبون أن يتحدد مسار الأسواق خلال المرحلة المقبلة وفق تطورات الملاحة في مضيق هرمز، إذ قد يسهم التوصل إلى تهدئة وإعادة فتح خطوط الملاحة بشكل كامل في استقرار أسعار الطاقة، بينما سيؤدي استمرار الحصار والتصعيد إلى تعميق خسائر الاقتصاد الإيراني وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي.
