تراجع حرية الصحافة في العراق.. هيكلية القمع والهشاشة الإقتصادية تخنق “السلطة الرابعة”

تحرير م.ا

يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من أيار لعام 2026 ليحمل معه أرقامًا صادمة تعكس واقعًا مأساويًا لبيئة العمل الإعلامي في العراق، حيث سجلت المؤشرات الدولية تراجعًا مستمرًا يضع البلاد في مراتب متأخرة عالميًا وإقليميًا

وبحسب التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود، فقد استقر العراق في المرتبة الثالثة عشرة عربيًا، متراجعًا عن مركزه السابق في العامين الماضيين، بينما هوى على المستوى العالمي إلى المرتبة 162 من أصل 180 دولة، ليفقد بذلك سبعة مراكز دفعة واحدة مقارنة بعام 2025

هذا التدهور لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمي لضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة جعلت من مهنة المتاعب في العراق واحدة من أخطر المهن وأقلها استقرارًا

ويرى خبراء وأكاديميون أن هذا التراجع يمثل انتكاسة حقيقية لمكتسبات حرية التعبير التي تلت عام 2003، إذ يشير الأكاديمي المتخصص في الإعلام، حيدر شلال متعب، إلى أن بيئة العمل الصحفي باتت تعاني من هشاشة بنيوية نتيجة التحولات الاقتصادية والتسارع الرقمي الذي لم ترافقه تشريعات تحمي العاملين في هذا القطاع

ويؤكد متعب أن غياب الحماية القانونية والتهديدات المستمرة أثرا بشكل مباشر على قدرة الصحفيين على التعاطي مع الملفات الحساسة، مما أدى إلى خلق سوق عمل غير مستقر يفتقر لأدنى مقومات الأمان المهني، وهو ما تؤكده لغة الأرقام الصادرة عن مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية، والتي وثقت أكثر من مئة انتهاك خلال عام 2025، متبوعة بخمس وثلاثين حالة أخرى في الربع الأول من عام 2026، تنوعت ما بين الإعتقال التعسفي والإعتداء الجسدي والمنع من التغطية الميدانية

وعلى صعيد الحقوق الوظيفية، ترسم الشهادات الميدانية صورة قاتمة لواقع الصحفيين داخل المؤسسات الإعلامية المحلية، حيث تشير الصحفية جمانة ممتاز إلى أن المؤسسات باتت تمارس سياسة الفصل التعسفي دون سابق إنذار أو تعويضات مالية، مستغلة غياب العقود القانونية الملزمة، مما يضع الصحفي تحت ضغط مالي وعائلي دائم يدفعه لتجنب القضايا التي قد تثير غضب الإدارة أو الجهات السياسية الممولة لها

وفي ذات السياق، توضح مراسلة تلفزيون العربي، منة الله طاهر، أن الإستقطاب الأيديولوجي والسياسي للمؤسسات الإعلامية حدّ من فرص العمل المتاحة، ودفع بالكثير من الكفاءات إلى هجر المهنة بحثًا عن مجالات أكثر أمانًا، في ظل عجز نقابة الصحفيين عن لعب دور فاعل في توفير شبكة أمان اجتماعي أو ضمان حقوق التقاعد

من جانبه، يصف رئيس مركز الحريات الصحفية، زياد العجيلي، عامي 2025 و2026 بأنهما الأسوأ في تاريخ الصحافة العراقية الحديث، لافتًا إلى أن القيود المفروضة على حركة المراسلين والمؤسسات حدت من العمل الميداني بشكل كبير، رغم التطور التقني الذي كان من المفترض أن يسهل مهامهم.

ويخلص تقرير مراسلون بلا حدود إلى أن المشهد الإعلامي العراقي يعاني من تبعية شبه كاملة لقوى سياسية، ما يفرغ العمل الصحفي من استقلاليته ويحوله إلى أداة للصراع والبروباغندا، وسط تحذيرات دولية من أن حرية الصحافة عالميًا تمر بواحدة من أسوأ مراحلها منذ ربع قرن، حيث يتزايد تغول السلطات على حقوق الصحفيين، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تنامي “الرقابة الذاتية” وتقويض دور الإعلام في المساءلة وكشف الفساد

إرسال التعليق