نينوى الغد / تحرير م.ا
يرسم تصريح النائب باسم الغرابي صورة دقيقة وعميقة للأزمة الهيكلية المزمنة التي تعصف بالاقتصاد العراقي، حيث يضع الإصبع على الجرح المتمثل في مفهوم الدولة الريعية واقتصاد القناة الواحدة. إن الاعتماد شبه الكامل والمفرط للموازنة العامة على الإيرادات النفطية، والتي تتجاوز نسبتها حاجز التسعين بالمائة، يحول العراق إلى ساحة مكشوفة أمام أي هزة أو تقلب في أسواق الطاقة العالمية، مما يعني أن استقرار البلاد المالي والإجتماعي بات رهينة لمتغيرات وصراعات خارجية لا تملك بغداد القدرة على التحكم بمساراتها أو التنبؤ بمدى قسوتها
وتتضاعف هذه المخاطر بشكل حاد في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، حيث تؤثر هذه الاضطرابات بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأمن الممرات المائية الحيوية، وهو ما يهدد سلامة ناقلات النفط العراقية وسلاسل الإمداد، ويؤدي بالتالي إلى ارتفاع حاد في كلف التأمين البحري والشحن، مما يقلص الأرباح الصافية للدولة ويدفع بأسعار السلع الاستهلاكية المستوردة نحو الإرتفاع، مسببًا موجات تضخمية ترهق كاهل المواطن
ويعكس التحذير النيابي كذلك إخفاق الحكومات المتعاقبة في مغادرة مربع الاقتصاد الإستهلاكي نحو بناء قطاعات إنتاجية حقيقية ومستدامة، إذ ظل الفشل سمة بارزة في مساعي تنشيط مجالات حيوية كالزراعة والصناعة والإستثمار والسياحة، الأمر الذي عطل إمكانية تنويع مصادر الدخل الوطني وجعل الدولة عاجزة عن خلق فرص عمل حقيقية خارج إطار التعيينات الحكومية التي تسببت في تضخم الموازنة التشغيلية واستنزاف الثروات في رواتب استهلاكية دون مردود إنتاجي يذكر
وأمام هذا الإنسداد الإقتصادي وفي حال حدوث تراجع في الإيرادات، تجد الحكومة نفسها أمام خيارات تمويلية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، حيث باتت قنوات الاقتراض الخارجي شبه مسدودة أو مشروطة بإصلاحات قاسية تفرضها المؤسسات الدولية نتيجة النظرة الضبابية لأسواق الطاقة واستقرار المنطقة، مما قد يضطر صانع القرار المالي إلى الهروب نحو الإقتراض الداخلي عبر سحب السيولة من المصارف المحلية أو البنك المركزي، وهو سلوك اقتصادي خطير قد يمهد لتراجع القيمة الشرائية للدينار العراقي ويهدد الإستقرار النقدي بشكل عام. إن هذا الواقع يفرض لزامًا وبشكل عاجل تجاوز مرحلة الخطابات والشروع الفوري في تنفيذ إصلاحات هيكلية وجذرية تسهم في حماية الأمن القومي الغذائي والمالي للعراق قبل فوات الأوان
