تحولت حلوى البقلاوة، إحدى أشهر الحلويات الشرقية، إلى محور نزاع ثقافي وتاريخي جديد بين تركيا وأذربيجان من جهة، واليونان من جهة أخرى، بعد أن وصل الخلاف بشأن أصلها التاريخي إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في أحدث فصول الجدل الممتد منذ عقود حول هوية هذه الحلوى التي تتشاركها مطابخ المنطقة.
ويأتي هذا النزاع في وقت يؤكد فيه معظم مؤرخي الطعام أن البقلاوة بصورتها الحالية لم تنشأ في دولة واحدة، بل كانت ثمرة تفاعل حضاري طويل بين المطبخ البيزنطي، والأناضولي، والعربي، قبل أن تبلغ شكلها المعروف خلال العهد العثماني.
ويرى باحثون أن صعوبة حسم أصل البقلاوة تعود إلى طبيعة المنطقة التي نشأت فيها، إذ كانت أراضي شرق البحر المتوسط والأناضول وبلاد الرافدين وبلاد الشام مترابطة سياسيًا وثقافيًا لقرون، فيما كانت الوصفات تنتقل بين المدن مع التجار والطهاة والجيوش، قبل ظهور مفهوم الحدود الوطنية الحديثة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن حضارات الشرق القديم عرفت منذ آلاف السنين أنواعًا من المعجنات المحشوة بالمكسرات والعسل، إلا أنها لم تكن تشبه البقلاوة الحالية التي تعتمد على طبقات رقيقة جدًا من عجين “الفيلو” المشبعة بالسمن.
ويرجح عدد من الباحثين أن الشكل الحديث للبقلاوة تطور تدريجيًا داخل مطابخ القصور العثمانية في إسطنبول خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حيث أتقن الطهاة صناعة عجين الفيلو شديد الرقة، قبل أن تنتشر الوصفة في مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وصولًا إلى البلقان وبلاد الشام والعراق ومصر.
ولا يقتصر الخلاف على الأصل التاريخي، بل يمتد إلى أصل تسمية “البقلاوة” نفسها، إذ ترد الكلمة في اللغة التركية بصيغة “Baklava”، ومنها انتقلت إلى العديد من اللغات الأوروبية والشرقية، غير أن علماء اللغة لا يزالون مختلفين بشأن جذورها، فبينما يرجعها بعضهم إلى أصول تركية، يرى آخرون أنها ذات جذور مغولية تشير إلى معنى “اللف” أو “الربط”، في إشارة إلى طبقات العجين.
ويؤكد مؤرخون أن احتدام الجدل حول البقلاوة ارتبط بصعود النزعات القومية عقب انهيار الدولة العثمانية، إذ بدأت الدول الحديثة تبحث عن رموز ثقافية تعزز هويتها الوطنية، لتتحول أطعمة مشتركة مثل البقلاوة والقهوة والدولمة والكبة إلى مواضيع تنافس ثقافي وسياسي.
الحجة التركية
تستند تركيا إلى أن أقدم وصفات البقلاوة المطابقة تقريبًا للشكل الحديث ظهرت في المطبخ العثماني، كما تشير سجلات قصر طوب قابي في إسطنبول إلى تقديمها في المناسبات الرسمية منذ القرن الخامس عشر.
وتؤكد أن مدينة غازي عنتاب أصبحت المركز الأشهر عالميًا لإنتاج البقلاوة، كما حصلت “بقلاوة غازي عنتاب” عام 2013 على حماية المؤشر الجغرافي داخل الاتحاد الأوروبي، وهو اعتراف يرتبط بجودة المنتج ومنشئه الجغرافي، وليس بحسم أصله التاريخي.
الرواية اليونانية
في المقابل، يرى باحثون يونانيون أن جذور البقلاوة تعود إلى المطبخ البيزنطي والإغريقي، ويشيرون إلى التشابه بينها وبين حلوى “Placenta” البيزنطية التي كانت تعتمد على طبقات من العجين والعسل والمكسرات.
كما يستدلون بأن كلمة “فيلو” المستخدمة لوصف العجين الرقيق هي كلمة يونانية تعني “الورقة”، معتبرين أن تقنيات إعداد هذا العجين تطورت في البيئة البيزنطية قبل العهد العثماني.
روايات آشورية وشامية
ولا يقتصر الجدل على تركيا واليونان، إذ تشير بعض المصادر التاريخية إلى احتمال وجود جذور آشورية للبقلاوة في بلاد ما بين النهرين، بينما يرى عدد من المؤرخين أن الشكل الأقرب للبقلاوة الحديثة تطور في مدينة حلب السورية، ومنها انتقل إلى المطبخ العثماني.
ويطالب السوريون أيضًا بإدراج بلادهم ضمن أصحاب الإرث التاريخي للبقلاوة، مستندين إلى شهرة مدينتي حلب ودمشق بصناعة هذا النوع من الحلويات منذ قرون، فضلًا عن ارتباط أجود أنواع البقلاوة بـ”الفستق الحلبي”، الذي يحمل اسم المدينة نفسها.
كما يرى باحثون وطهاة أن الحرفيين الشوام لعبوا دورًا بارزًا في تطوير وصفة البقلاوة خلال العصر العثماني، من خلال الجمع بين رقائق العجين الرقيقة والعسل والفستق، وهو ما أسهم في انتشارها بصورتها المعروفة اليوم.
وبين الروايات التركية واليونانية والسورية، إضافة إلى الإشارات التاريخية التي تربطها ببلاد الرافدين، يبقى الأصل الحقيقي للبقلاوة محل نقاش واسع بين المؤرخين، فيما يرى كثير منهم أن هذه الحلوى تمثل إرثًا حضاريًا مشتركًا تشكل عبر قرون من التبادل الثقافي، أكثر من كونها نتاجًا حصريًا لدولة بعينها.
