نينوى الغد/ تحرير- ق.ر
كشفت تقييمات استخباراتية أميركية حديثة أن إيران أصبحت أكثر ثقة بقدراتها على تنفيذ هجمات ضد أهداف أميركية وإقليمية، وأنها قد تكون عازمة على إطالة أمد المواجهة لأشهر، بهدف إنهاك الولايات المتحدة وإحباط مساعيها، وفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».
وبحسب الصحيفة، تشير التقارير الاستخباراتية التي أُعدت خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن طهران خرجت من أشهر من المواجهات المتقطعة بفهم أكبر لنقاط قوتها العسكرية، ما عزز ثقتها بقدرتها على مواصلة القتال، في وقت تبدو فيه فرص التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الحرب محدودة.
وتأتي هذه التقييمات بالتزامن مع تجدد العمليات العسكرية بعد فترة من الهدوء النسبي، إذ استهدفت إيران خلال الأسبوع الماضي سفناً في مضيق هرمز وقوات أميركية في المنطقة، فيما نفذت الولايات المتحدة ضربات داخل الأراضي الإيرانية أسفرت عن سقوط قتلى من العسكريين والمدنيين.
ورغم أن وتيرة التبادلات العسكرية لا تزال محدودة، فإن مسؤولين أميركيين اطلعوا على التقارير قالوا إن الحكومة الإيرانية قد تكون تدرس تصعيداً أكبر خلال الأسابيع المقبلة.
صمود إيراني وحسابات أميركية
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد توقع تحقيق نصر سريع وحاسم عندما بدأت القوات الأميركية والإسرائيلية الحرب في 28 فبراير/شباط، إلا أن منتقدين يرون أن الإدارة الأميركية قللت من تقدير قدرة إيران على الصمود والاستمرار في المواجهة.
وقال النائب الديمقراطي عن ولاية كولورادو وعضو لجنة الاستخبارات جايسون كرو إن الإيرانيين يشعرون بثقة كبيرة في موقفهم، مشيراً إلى أنهم تعرضوا لأضرار كبيرة، لكنهم كانوا يتوقعون ذلك ضمن حساباتهم للحرب.
وأضاف كرو أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر توحداً مقارنة بما كانت عليه سابقاً، فيما جرى إسكات المعارضة الداخلية، فضلاً عن احتفاظ طهران بمخزون من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأشار إلى أن إيران باتت أكثر إدراكاً لأهمية مضيق هرمز كورقة ضغط، ولا سيما أن المضيق كان يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي قبل اندلاع الحرب.
وقال كرو إن طهران كانت تدرك أهمية المضيق في السابق، لكنها أصبحت أكثر إدراكاً لحجم النفوذ الذي يمنحه لها في ظل الصراع الحالي.
وبحسب أشخاص اطلعوا على التقارير الاستخباراتية، تعتقد إيران على الأرجح أن الجيش الأميركي قد يواجه صعوبة في تنفيذ ضربات واسعة جديدة مع تراجع مخزونات بعض الذخائر الأميركية.
واشنطن تتوقع مزيداً من الهجمات
وفي إفادة صحفية الخميس، أقر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بإمكانية استمرار إيران في محاولة استهداف الولايات المتحدة، لكنه قلل من حجم قدرتها على تعطيل الحياة اليومية للأميركيين.
وقال فانس إن قدرة إيران على إحداث اضطرابات داخل الولايات المتحدة «محدودة للغاية»، وإنها ليست معدومة، مشيراً إلى أن واشنطن تتوقع أن تواصل طهران «محاولة القيام بالكثير من الأمور» لاستهداف الولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، تشير تقديرات أميركية إلى إمكانية لجوء إيران إلى تحركات عسكرية مشابهة لتلك التي نفذتها في يوليو/تموز، عندما استهدفت قواعد عسكرية أميركية في الشرق الأوسط وسفناً في مضيق هرمز، فضلاً عن منشآت وبنى تحتية في الكويت ومناطق أخرى.
كما يعتقد مسؤولون أميركيون أن قراصنة مرتبطين بإيران كانوا وراء هجمات إلكترونية استهدفت أكثر من 100 نظام للمياه في أنحاء الولايات المتحدة أواخر يوليو/تموز.
ورغم عدم تسجيل أضرار جعلت المياه غير آمنة للشرب، تسببت الهجمات في بعض المناطق باضطرابات تشغيلية استدعت تشغيل الأنظمة يدوياً وإصدار تحذيرات احترازية بغلي المياه.
وقال مسؤولون حاليون وسابقون إن مجموعات القرصنة المرتبطة بإيران أبدت اهتماماً أيضاً باستهداف البنية التحتية الأميركية لقطاعي النفط والغاز، فيما لم يتضح ما إذا كانت أي أنظمة للطاقة قد تعرضت للاختراق.
طهران تراهن على الانتخابات الأميركية
ولا تقتصر الحسابات الإيرانية، وفق المسؤولين، على الجانب العسكري، إذ توجد مؤشرات على أن طهران قد تكون عازمة على إطالة أمد الصراع حتى انتخابات التجديد النصفي الأميركية على الأقل.
ويعتقد مسؤولون حاليون وسابقون أن إيران تدرك أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود نتيجة إغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز قد يلحقان ضرراً سياسياً بالرئيس ترامب والحزب الجمهوري.
وقال النائب الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي وعضو لجنة الاستخبارات جوش غوتهايمر إن الإيرانيين يعتقدون أن لديهم «أقصى قدر من النفوذ»، متسائلاً عن سبب توقفهم عن مواصلة الضغط على الرئيس الأميركي.
كما تشير تقييمات أخرى إلى أن طهران تسعى إلى توظيف الدعاية والتأثير الرقمي لإضعاف ترامب انتخابياً، على غرار ما اتُهمت بفعله خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية في عامي 2020 و2024.
وفي هذا الإطار، أصدرت شركة «ميتا» الأسبوع الماضي تقريراً تحدثت فيه عن شبكة صغيرة من الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام» مصدرها إيران وتركز على السياسة الأميركية، مشيرة إلى أن بعض محتواها أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي وتضمن مواقف مناهضة للجمهوريين.
كما قالت شركة «أليثيا» المتخصصة في استخبارات التهديدات إن وسائل إعلام محلية في إيران نشرت أكثر من 1200 مقال باللغة الفارسية خلال أسبوعين، تناولت ترامب وانتخابات التجديد النصفي، مشيرة إلى أن الإطار الرئيسي للتغطية تمثل في تصوير الحرب باعتبارها عبئاً سياسياً على الرئيس الأميركي.
الهجمات الإلكترونية ورقة ضغط إضافية
ويرى مسؤولون استخباراتيون سابقون وخبراء في الأمن السيبراني أن الهجمات الإلكترونية قد تبقى إحدى الأدوات التي يمكن لطهران استخدامها لإحداث اضطرابات داخل الولايات المتحدة وتقويض الدعم الشعبي للحرب، خصوصاً إذا استمرت المواجهة من دون أفق واضح لإنهائها.
وتشير معلومات استخباراتية إلى أن مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران أعادت تنظيم صفوفها خلال الأشهر الماضية، بعد تعرضها لخسائر في بداية الحرب، فيما يبدو أن البنية التحتية النفطية والطاقة الأميركية تمثل هدفاً محتملاً، رغم صعوبة اختراقها مقارنة بالأنظمة الأخرى.
من جهته، قال غوتهايمر إنه كان يؤيد الحرب في بدايتها، لكنه يرى حالياً أن إدارة ترامب لم تمتلك استراتيجية واضحة، وأن إيران تمكنت من تجاوز آثار الضربات.
وأضاف أن قدرة الحكومة الإيرانية على تحمل العقوبات والقصف تعكس استعدادها لتحمل كلفة المواجهة، معتبراً أن طهران تنظر إلى الصراع من منظور زمني أطول من الحسابات الأميركية.
وبذلك، ترسم التقييمات الأميركية صورة لصراع قد لا يُحسم سريعاً، في ظل تمسك طهران بأوراق عسكرية واقتصادية ورقمية، مقابل رهان واشنطن على العقوبات والضغط العسكري لإجبارها على تقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي.
