الاخبار الدولية

أنفاق محصنة ومواقع سرية بعد الضربات.. إيران تعيد رسم خريطة منشآتها النووية

A general view shows the reactor building at the Bushehr nuclear power plant in southern Iran, 1200 kms south of Tehran, on August 20, 2010. After decades of delay and sanctions, Iran will launch on August 21, 2010 its Russian-built first nuclear power plant in the face of Western suspicion that its atomic programme has a covert military agenda. AFP PHOTO/ATTA KENARE

كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية وأخرى من المعارضة الإيرانية عن تحركات إيرانية متسارعة لإعادة تأهيل وتحصين منشآت نووية ومواقع عسكرية، بالتزامن مع نقل معدات مرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم إلى مواقع جديدة، في خطوات يُعتقد أنها تهدف إلى حماية القدرات النووية من هجمات محتملة وتقليص فرص رصد الأنشطة الجارية بواسطة الأقمار الصناعية.

وبحسب تقرير نشره موقع «إرم نيوز»، فإن عمليات التحصين شملت حفر أنفاق عميقة، وإنشاء تحصينات خرسانية، ونشر منظومات دفاع جوي ورادارات في محيط عدد من المنشآت، إلى جانب نقل أجهزة طرد مركزي وكميات من اليورانيوم المخصب من مواقع تعرضت للقصف خلال المواجهات العسكرية الأخيرة.

ونقلت المصادر أن بعض أعمال التحصين وصلت إلى مراحل متقدمة، وسط مخاوف من أن تكون طهران بصدد إعادة توزيع أجزاء من بنيتها النووية على منشآت عسكرية ومدنية لم تكن مخصصة أساساً لاستضافة مثل هذه الأنشطة.

نشاط متجدد في مواقع تعرضت للقصف

وفي مؤشر على استئناف العمل في بعض المواقع المتضررة، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة عودة الحركة إلى موقع «مينزاديهي» الواقع شمال شرقي العاصمة طهران، بعد أشهر من تعرضه لهجوم إسرائيلي.

ووفقاً لتقرير صادر عن معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن، فقد شهد الموقع أعمالاً لإزالة الأنقاض وإصلاح الأضرار، فيما أظهرت الصور عودة حركة المركبات بصورة منتظمة في محيطه.

وكان الموقع قد تعرض للقصف في الثالث من مارس/آذار الماضي، فيما تثير التحركات الأخيرة تساؤلات بشأن طبيعة الأنشطة التي عادت إليه، وما إذا كانت تندرج ضمن عمليات إعادة التأهيل أم تمثل جزءاً من إعادة تنظيم أوسع للمنشآت المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

ولا تقتصر التحركات، بحسب المصادر التي تحدثت إلى «إرم نيوز»، على هذا الموقع، إذ أشار دبلوماسي أوروبي مطلع على الملف النووي إلى تحويل مراكز عسكرية إلى مواقع لاستضافة معدات وأجهزة طرد مركزي نُقلت من منشآت أخرى، بينها مواقع في جنداب وأردكان ومركز التكنولوجيا النووية في أصفهان.

وأضاف الدبلوماسي أن أعمال الترميم والتحصين امتدت إلى منشآت نووية ومراكز بحثية تضررت خلال حرب الاثني عشر يوماً والمواجهة العسكرية التي استمرت نحو أربعين يوماً، في إطار مساعٍ لإعادة تأهيل المواقع المتضررة وتعزيز حمايتها.

منشآت عسكرية تتحول إلى مخازن نووية

وبحسب المصدر الأوروبي، عملت إيران على نشر منظومات متحركة للدفاع الجوي ومضادات الصواريخ في عدد من المراكز العسكرية التي كانت خارج الخدمة، بالتزامن مع إعادة توظيفها لأغراض جديدة.

وأشار إلى أن المعلومات المتاحة بشأن المواقع التابعة للحرس الثوري، التي يُعتقد أنها تحولت إلى مخازن لأجهزة الطرد المركزي أو المعدات المرتبطة بعمليات التخصيب، لا تزال محدودة، ما يصعّب تحديد حجم القدرات التي نُقلت إليها وطبيعة الأنشطة التي يمكن أن تستضيفها.

وأوضح أن نقل تكنولوجيا التخصيب وتشغيلها داخل منشآت لم تُصمم أساساً لهذا الغرض يتطلب تجهيزات فنية معقدة وبنية تحتية متخصصة، لافتاً إلى نقل ما وصفها بـ«غرف التخصيب»، التي تضم أجهزة طرد مركزي وأنابيب وأنظمة للتحكم والقياس، بصورة سرية إلى بعض المواقع خلال الأشهر الماضية.

وأضاف أن هذه التحركات شملت، وفق المعلومات التي أوردها، نقل كميات من اليورانيوم المخصب بهدف إبعادها عن المنشآت التي تعرضت للقصف، أو تلك التي يُعتقد أنها لا تزال ضمن قائمة الأهداف المحتملة في أي مواجهة عسكرية جديدة.

تحصينات لتقليص الرصد بالأقمار الصناعية

من جانبه، قال مصدر مطلع في المعارضة الإيرانية إن المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال العام الجاري أصبحت أكثر عرضة للرصد بواسطة الأقمار الصناعية، الأمر الذي يجعل أي أعمال ترميم أو أنشطة فنية داخلها قابلة للمتابعة بدرجة أكبر.

وأوضح المصدر أن طهران اتجهت، وفق تقديره، إلى إقامة منشآت وأغطية ومظلات خرسانية فوق أجزاء من بعض المواقع، بهدف تعزيز حمايتها وتقليص القدرة على مراقبة الأنشطة الجارية داخلها.

وأشار إلى أن المخاوف الإيرانية لا تتعلق فقط باحتمال تعرض المنشآت لغارات جوية إسرائيلية جديدة، بل تشمل أيضاً سيناريوهات لعمليات أمريكية قد تستهدف الوصول إلى مخزونات اليورانيوم المخصب أو نقلها إلى خارج البلاد.

وأضاف أن مواقع مدنية غير معلنة جُهزت، بحسب معلومات المعارضة، لاستضافة بعض الأنشطة أو المواد النووية المنقولة من منشآت تعرضت للقصف وتخضع حالياً لمراقبة مكثفة.

واعتبر المصدر أن بعض التحركات التي تظهر في صور الأقمار الصناعية قد تكتسب أهمية عسكرية واستخباراتية متزايدة، إذا اندلعت جولة جديدة من المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

«جبل الفأس» ومواقع غير معلنة تحت المجهر

وفي سياق متصل، تحدث المصدر المعارض عن امتلاك إيران مواقع لم تُعلن عنها للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب منشآت برزت أهميتها خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها الموقع المعروف باسم «جبل الفأس».

ويُعد هذا الموقع من بين المنشآت التي تحظى باهتمام متزايد في عمليات الرصد الجوي، وسط معلومات تتحدث عن احتمال تخزين مواد مخصبة ومعدات نووية داخله، من دون أن يعني ذلك وجود تأكيد مستقل بشأن طبيعة محتوياته أو حجم الأنشطة الجارية فيه.

كما تثار تساؤلات بشأن موقع «تاقان 2»، الذي ارتبط في تقارير سابقة بادعاءات حول أنشطة وتجارب يُشتبه في صلتها بتطوير مكونات يمكن استخدامها ضمن برنامج تسلح نووي.

ويربط المصدر هذه التحركات بمحاولة طهران كسب مزيد من الوقت في الملف النووي وتأجيل العودة إلى المفاوضات، بما يتيح لها إعادة ترتيب قدراتها وتعزيز أوراقها التفاوضية، مستشهداً بتراجعها عن مواقف سابقة تتعلق بإمكانية نقل المواد النووية المخصبة إلى روسيا.

استراتيجية الغموض ومخاوف الانتشار النووي

وفي قراءته لهذه التطورات، قال الخبير في الشأن الإيراني طاهر أبو نضال إن إدارة طهران لبرنامجها النووي اعتمدت، على مدى سنوات، على سياسة تقوم على الغموض والمناورة، سواء فيما يتعلق بطبيعة بعض المنشآت أو بالاستخدامات التي يجري تخصيصها لها.

وأوضح أبو نضال أن إيران وسّعت في مراحل سابقة أنشطتها من مواقع مخصصة أصلاً لأغراض مدنية وبحثية إلى منشآت ارتبطت لاحقاً بعمليات تخصيب أو أنشطة نووية أكثر حساسية، مشيراً إلى منشأة دارخوين بوصفها أحد الأمثلة التي أثارت اهتمام الجهات المعنية بالملف النووي الإيراني.

وأضاف أن المخاوف الدولية قبل اندلاع المواجهات العسكرية تركزت على ارتفاع مستويات تخصيب اليورانيوم وزيادة المخزون الإيراني، وما قد يترتب على ذلك من تقليص المدة التقنية اللازمة لإنتاج مواد يمكن استخدامها في تصنيع سلاح نووي، إذا اتُخذ قرار سياسي بالمضي في هذا الاتجاه.

وأكد أن نقل أنشطة ومعدات إلى مواقع جديدة، بالتزامن مع تراجع إمكانية الوصول إلى بعض المنشآت المتضررة، يزيد صعوبة تحديد الحجم الفعلي للقدرات النووية الإيرانية وتقييم طبيعة الأنشطة التي يمكن أن تستمر بعيداً عن الرقابة الدولية.

ودعا أبو نضال إلى زيادة الضغوط الدولية على طهران وإعادة تفعيل أدوات الرقابة والتفتيش، محذراً من أن استمرار الأنشطة في مواقع بعيدة عن الرقابة قد يوسع دائرة الشكوك بشأن طبيعة البرنامج النووي وأهدافه المستقبلية.

كما أشار إلى أن شخصيات دينية وسياسية مقربة من دوائر صنع القرار في إيران رفعت، خلال المواجهات الأخيرة، سقف خطابها بشأن امتلاك السلاح النووي، معتبراً أن هذه الدعوات تكتسب أهمية إضافية في ظل التحولات الأمنية التي شهدتها إيران عقب الحرب.

وتفتح هذه المعطيات الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الملف النووي الإيراني، وقدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على استعادة مستويات الرقابة المطلوبة، فضلاً عن احتمالات انتقال المواجهة من استهداف المنشآت المعلنة إلى ملاحقة مواقع يُشتبه في استخدامها لتخزين المعدات والمواد النووية أو مواصلة الأنشطة المرتبطة بالتخصيب.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *