عبدالله النجيفي
في مكتب سياسي محلي، صباح يوم عادي. الغرفة الخارجية ممتلئة: رجل يريد تعيين ابنه، ومقاول يسأل عن مستحقات، ووفد صغير جاء يشكو انقطاع ماء عن حيّهم. الرجل الجالس في الداخل يستقبل ويعد ويحوّل الأوراق. ولو سألتَه عن أسماء نصف هؤلاء لما عرفها؛ فهم لم يأتوا إليه مباشرة، بل جاء بهم «أبو فلان» الذي يعرفه، أو وجيه في المنطقة، أو موظف كبير يوصل الحالات. الغرفة ممتلئة، لكن الخيوط التي أوصلت الناس إليها لا تزيد على عشرة أشخاص.
وهذا المشهد يستحق أن نتوقف عنده لا لنحكم عليه، بل لنفهم ما يقوله عن معنى كلمة نستعملها كثيرًا: النفوذ. هل النفوذ هو عدد الذين يحتاجون إليك حين تكون قويًا، أم عدد الذين يبقون معك حين لا يعود لديك ما تمنحه؟
ولنطرح فرضية، لا حقيقة: أن جزءًا من القيادة السياسية في العراق — وفي البيئة المحلية والسنية بصورة أوضح — انتقل تدريجيًا من نموذج القائد الذي يملك علاقة مباشرة نسبيًا مع جمهوره، إلى نموذج «القيادة الوسيطة» التي تقف بين مراكز السلطة وبين الشخصيات المؤثرة محليًا. والفرق بين النموذجين بسيط في وصفه، عميق في أثره: القائد الأول يحتاج أن يعرفه آلاف الناس؛ والثاني يحتاج أن يعرف عشرات الأشخاص، كل واحد منهم يستطيع أن يصل إلى مئات.
وقبل تحميل سنة ٢٠١٤ أكثر مما تحتمل، ينبغي أن نقول بوضوح إن شبكات الرعاية والزبائنية لم تولد في تلك السنة. الدراسات الجادة عن العراق بعد ٢٠٠٣ تصف نظام المحاصصة بوصفه بيئة سهّلت الاستحواذ على الدولة وبناء شبكات محسوبية داخل مؤسساتها منذ سنواته الأولى، وتُظهر أن السلطة في العراق تعمل عبر شبكات غير رسمية أكثر مما تعمل عبر المؤسسات المكتوبة. فالظاهرة أقدم من ٢٠١٤ بكثير.
لكن ٢٠١٤ فعلت شيئًا آخر: سرّعت التحول وغيّرت شكله. سقوط الموصل وانهيار قطاعات من القوات الأمنية، ثم سنوات الحرب والنزوح والعودة، أعادت ترتيب مراكز القوة المحلية من أساسها. بنى اجتماعية وسياسية تفككت، وقيادات قديمة غابت أو خرجت من البلد، ومساحات كاملة صارت تُدار عبر ترتيبات أمنية وإدارية جديدة. وفي البيئة السنية تحديدًا، تصف الأبحاث مشهدًا شديد التشظي: لا مرجعية مركزية واحدة، وتيارات متنافسة، ورعاة إقليميون متعددون يدعم كل منهم أطرافًا مختلفة، ومؤتمرات جمع متكررة — عمّان ٢٠١٤، والدوحة ٢٠١٥، وباريس ٢٠١٦ — انتهت إلى مزيد من الانقسام بدل التوحيد.
في بيئة كهذه، يصبح بناء قاعدة اجتماعية عميقة عملًا بطيئًا ومكلفًا وغير مضمون. أما بناء شبكة فسريع وقابل للقياس. وهنا تحديدًا تتغير وظيفة المال. المشكلة ليست أن «المال دخل السياسة»؛ فهذا سابق لكل ما نتحدث عنه. المشكلة الأدق: أن يصير المال بديلًا عن العلاقة السياسية بالمجتمع لا وسيلة لها. فمن يستطيع تمويل عشرين شخصية مؤثرة، يحصل على وصول إلى عشرين دائرة اجتماعية دفعة واحدة، دون أن يحتاج إلى تنظيم أو فكرة أو سنوات من الحضور.
هذا ما أسميه، بوصفه توصيفًا تحليليًا لا اتهامًا، النفوذ المستأجر. وليس المقصود أن كل من يعمل مع سياسي يفعل ذلك لأجل منفعة؛ فكثيرون يعملون بقناعة، وكثير من الخدمات التي تمر عبر هذه الشبكات خدمات حقيقية يحتاجها الناس فعلًا. المقصود شيء أضيق وأدق: أن هناك نوعًا من النفوذ يبقى قويًا ما دامت الموارد التي تغذيه موجودة — وظيفة، أو عقد، أو معاملة، أو حماية، أو قدرة على الوصول إلى مسؤول. وهو نفوذ حقيقي وفعّال، لكنه مستأجر لا مملوك؛ أي أنه يُدفع عنه إيجار دوري، وينتهي بانتهاء الدفع.
وما يجعل هذا التوصيف قابلًا للاختبار هو التمييز بين شيئين يبدوان متطابقين في الانتخابات والمناسبات: أن يكون لديك جمهور، وأن يكون لديك شبكة تصل إلى الجمهور. في يوم التصويت لا يظهر الفرق؛ الأرقام واحدة. تحليلات انتخابية جادة تصف كيف تُحسم أصوات كثيرة في العراق عبر وسطاء محليين ووجهاء وعلاقات عائلية، وعبر خدمات ووظائف، بل ورصدت سوقًا لبطاقات الناخبين وأسعارًا للمؤثرين على المنصات. هذه كلها أدوات وصول إلى الناس، لا دليلًا على وجود جمهور.
والاختبار الحقيقي لا يجري في الانتخابات، بل في اليوم الذي يفقد فيه السياسي منصبه أو موارده أو قدرته على تقديم المنافع. الجمهور يبقى لأنه مرتبط بشخص أو فكرة أو تجربة مشتركة؛ أما الشبكة فتبدأ بالتفكك حين تختفي المصلحة التي كانت تربط أجزاءها — لا لأن أفرادها سيئون، بل لأن هذا هو تعريف الشبكة المبنية على التبادل.
وقد شهد العراق حالات لشخصيات بدت شديدة النفوذ وهي في مواقعها، ثم أُبعدت أو سُجنت أو خرجت من السلطة، فلم يظهر في الشارع حجم تعبئة يقارب صورتها السابقة. وهنا يجب الحذر الشديد: غياب التظاهر لا يثبت غياب الجمهور. للناس أسباب كثيرة لعدم النزول — الخوف، والظرف الأمني، وعدم الاقتناع بجدوى الاحتجاج، وطبيعة القضية نفسها التي قد لا يراها الناس قضيتهم. ولذلك لا يصلح هذا المؤشر دليلًا، لكنه يصلح سؤالًا: هل كان ما رأيناه نفوذًا اجتماعيًا راسخًا، أم قدرة على تحريك شبكة ما دامت الموارد متاحة؟
وثمة عامل يزيد الأمر رسوخًا: أن المنصب المحلي نفسه صار في حالات كثيرة نتاج صفقة لا نتاج تفويض. وثّقت دراسات ميدانية عن نينوى بعد ٢٠١٧ كيف يصبح المسؤول المحلي «رهين الصفقة» التي أوصلته، مدينًا للأطراف التي دعمته أكثر مما هو مسؤول أمام سكان محافظته، حتى وُصف مجلس المحافظة في إحداها بأنه صار أقرب إلى «شركة تبحث عن الربح». ومن يصل بهذه الطريقة يعرف أن بقاءه معلق برضا من أوصلوه، لا برضا من يمثلهم.
فإذا صحت هذه القراءة، فالمشكلة ليست أخلاقية بالدرجة الأولى؛ إنها مشكلة استدامة. القيادة التي تحتاج إلى ضخ مالي دائم لتجديد ولاء شبكتها تصير رهينة لمصادر هذا المال، وتصبح مضطرة للبقاء داخل السلطة أو قريبًا منها. وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: المال يصنع النفوذ، والنفوذ يفتح الطريق إلى السلطة، والسلطة توفر الموارد، والموارد تعيد إنتاج النفوذ. دائرة تعمل بكفاءة عالية — إلى أن تنكسر إحدى حلقاتها. وحين تنكسر، يظهر السؤال الذي لا مفر منه: ما الذي بقي من القيادة نفسها؟
وهذا السؤال صار أقرب مما كان. فحين تضيق موارد الدولة لأي سبب، لا يتأثر الإنفاق العام وحده؛ تتأثر معه القدرة على تمويل الشبكات. والقيادات التي بنت حضورها على التوزيع تكتشف حينها أن ما بنته كان قابلًا للسحب.
ولا يعني هذا أن البديل هو رفض المال أو التنظيم أو الاستعانة بالشخصيات المؤثرة؛ فهذه أدوات مشروعة تستعملها القيادات في كل مكان. الفرق في الوظيفة: أن تُستعمل هذه الأدوات لبناء علاقة مباشرة مع المجتمع، لا لتحلّ محلها. القيادة الأكثر استدامة هي التي تبني تنظيمًا يبقى بعد صاحبه، وتنتج أفكارًا يعرف الناس أنها لها، وتدرّب كوادر تحمل بعد سنوات، وتسمح بظهور قيادات جديدة بدل أن تراها تهديدًا. هذه أشياء بطيئة ومكلفة ولا تظهر في استطلاع، لكنها الوحيدة التي لا تُسحب حين تُسحب الموارد.
فالمال يستطيع أن يبني شبكة في أشهر. أما بناء جمهور فيحتاج إلى وقت وثقة وفكرة وتجربة مشتركة. والفرق بين الاثنين لا يظهر حين يكون السياسي قويًا؛ يظهر حين يصير ضعيفًا.
ولهذا فإن حجم أي سياسي لا يُعرف يوم تزدحم غرفة الانتظار أمام مكتبه، ولا يوم يستطيع أن يفتح الأبواب للآخرين. يُعرف في اليوم الذي لا يعود فيه قادرًا على منح وظيفة أو عقد أو خدمة أو حماية، ثم ينظر حوله ليرى من بقي. فالمال يبني شبكة، لكنه لا يبني وحده جمهورًا. وبين الشبكة والجمهور يقع الفرق كله: بين نفوذ مستأجر، وقيادة تستطيع أن تعيش بعد السلطة.
