تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مزيد من التصعيد، مع تعثر المساعي الدبلوماسية وتزايد المؤشرات على استعداد طهران لتوسيع نطاق ردها في حال قررت واشنطن استئناف هجماتها، وسط تقارير عن دراسة استهداف مواقع عسكرية أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا.
ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن مصدرين مطلعين على دوائر صنع القرار في إيران أن طهران بحثت خيارات لضرب أصول عسكرية أميركية في دول أوروبية، من بينها بلغاريا وقبرص، إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تصعيد العمليات العسكرية ضدها.
وتأتي بلغاريا في مقدمة المواقع التي تثير اهتمام طهران، بعدما وافق البرلمان البلغاري في تموز/يوليو الماضي على السماح بتمركز طائرات تزويد بالوقود تابعة للقوات الجوية الأميركية في قاعدة بيزمير، في جنوب شرق البلاد، لدعم العمليات الأميركية في الشرق الأوسط. ويشمل القرار نشر ما يصل إلى ثماني طائرات من طراز KC-135 ونحو 250 عسكرياً حتى الأول من تشرين الأول/أكتوبر المقبل
وكانت طهران قد وجهت تحذيرات إلى صوفيا على خلفية القرار، معتبرة أن السماح باستخدام الأراضي البلغارية لدعم العمليات الأميركية قد يجعل البلاد طرفاً في الصراع، فيما أكدت الحكومة البلغارية أن أراضيها لن تُستخدم لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.
ولا تقتصر الخيارات التي تدرسها إيران، وفق المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، على الأهداف العسكرية في أوروبا، إذ بحثت القوات الإيرانية أيضاً إمكانية استهداف كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز، في حال حدوث تصعيد جديد، بما قد يضيف بعداً اقتصادياً وتقنياً إلى أي مواجهة مقبلة.
من الشرق الأوسط إلى أوروبا
وتأتي هذه التهديدات في ظل تصاعد استخدام إيران لقدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة ضد مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في المنطقة. وكانت طهران قد أعلنت خلال تموز/يوليو تنفيذ هجمات استهدفت مواقع أميركية في الأردن والبحرين، فيما أعلنت السلطات الأردنية اعتراض صواريخ ومسيّرات إيرانية.
وفي هجوم آخر، أعلن الحرس الثوري الإيراني في تموز/يوليو إطلاق صواريخ باليستية باتجاه مركز قيادة أميركي وقاعدة الأزرق الجوية في الأردن، بينما قالت السلطات الأردنية إنها اعترضت عدداً من الصواريخ.
كما سبق أن ارتبط اسم إيران بمحاولة استهداف قاعدة دييغو غارسيا الأميركية-البريطانية في المحيط الهندي في آذار/مارس الماضي، في هجوم عُدّ من أبعد محاولات الضربات الصاروخية المنسوبة إلى طهران. وتشير تقارير إلى أن صاروخاً اعترضته منظومة دفاع أميركية، فيما فشل آخر في الوصول إلى هدفه.
قدرة محدودة.. لكن رسائل واسعة
ويرى محللون أن قدرة إيران على استهداف أهداف بعيدة في أوروبا موجودة، لكنها تبقى محدودة من حيث المدى والدقة والقدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالأهداف البعيدة. ومع ذلك، فإن مجرد التلويح باستهداف منشآت أميركية في أوروبا يحمل رسالة سياسية وعسكرية، مفادها أن أي حرب جديدة قد لا تبقى محصورة داخل الشرق الأوسط.
وبحسب المصادر الإيرانية، فإن طبيعة الرد ستتوقف على الخطوات التي ستتخذها واشنطن، فيما يعتقد داخل طهران أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية قد يدفعها إلى توسيع نطاق المواجهة. ونقلت «فايننشال تايمز» عن أحد المصادر أن إيران لن تضع حدوداً لردها إذا تعرضت لهجوم أميركي.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد نفوذ التيار المتشدد داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، يبرز داخل إيران تيار يحذر من أن توسيع دائرة الاستهداف قد يؤدي إلى تداعيات أكبر على البلاد، ويفتح جبهات جديدة مع الولايات المتحدة وحلفائها، بدلاً من حصر المواجهة ضمن نطاقها الإقليمي.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بقرارات واشنطن وطهران معاً، وسط تحذيرات من أن أي ضربة جديدة قد تنقل الصراع من ساحات الشرق الأوسط إلى أهداف ومصالح أميركية في مناطق أبعد، بما فيها أوروبا.
