المقالات

حين يتحول التشجيع إلى خصومة.. أوقفوا التعصب عن ملاعبنا

قلم رصاص

لم تعد مدرجات الملاعب العراقية في بعض الأحيان مكاناً للتشجيع والمؤازرة والاستمتاع بالمنافسة الرياضية، بل بدأت تتسلل إليها ظاهرة مقلقة لا تمت إلى الرياضة بصلة؛ التعصب الأعمى، والاستفزاز، وتبادل الشتائم، وصولاً أحياناً إلى التناوش والاشتباك بالأيدي.

أن تشجع فريقك، فهذا حقك. أن تفرح لفوزه، فهذا طبيعي. وأن تحزن لخسارته، فهذا جزء من متعة كرة القدم. لكن أن يتحول حب الفريق إلى كراهية للآخر، وأن يصبح المنافس عدواً، وأن تتحول المدرجات إلى ساحة لتبادل الكلمات البذيئة والاستفزازات، فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل: أين ذهبت الروح الرياضية؟

كرة القدم منافسة، ولا تعني أن هناك منتصراً دائماً وخاسراً دائماً. قد يفوز فريق اليوم ويخسر غداً، وقد يخطئ لاعب أو حكم أو مدرب، وقد تأتي النتيجة على خلاف ما توقعه الجمهور. هذه هي كرة القدم، وهذه تحديداً متعتها.

لكن المشكلة تكبر حين يرفض بعض المشجعين الاعتراف بالنتيجة، أو يحاولون الانتقاص من الفريق الفائز، أو بخس حق الفريق الخاسر وكأنه لم يقدم شيئاً. والأسوأ عندما تتحول أخطاء فردية داخل الملعب إلى مبرر للشتم والتجريح خارج الملعب.

من حق الجمهور أن يهتف، وأن يرفع الأعلام، وأن يساند لاعبيه، وأن يحتفل بالفوز. بل إن الجمهور جزء أساسي من جمال اللعبة. لكن التشجيع لا يحتاج إلى إهانة المنافس. والحماس لا يحتاج إلى شتيمة. والغيرة على الفريق لا تحتاج إلى الاعتداء على مشجع آخر. ومن يحب فريقه حقاً، عليه أن يكون صورة جميلة عنه، لا سبباً في تشويه صورته.

المؤسف أيضاً أن هناك من يتعمد “التصيّد بالماء العكر”؛ فيبحث عن مقطع لمشجع منفعل، أو تصريح عابر، أو هتاف مسيء، ثم يعيد نشره وتداوله بطريقة تستفز جمهور الفريق الآخر. وبعدها يأتي الرد، ثم رد على الرد، فتتسع دائرة المشكلة، ويصبح مقطع لا يتجاوز ثواني سبباً في إشعال خلاف بين جماهير يفترض أن يجمعها حب الرياضة.

وهنا تتحمل وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من المسؤولية؛ فليس كل ما يُقال في لحظة انفعال يستحق أن يتحول إلى مادة للتداول والتحريض.

من المؤسف أن يصل الأمر أحياناً إلى المشادات والاشتباكات بالأيدي. وهنا لا يعود الأمر مجرد “تعصب رياضي”، بل يتحول إلى سلوك مرفوض يهدد سلامة الناس ويشوه صورة الملاعب العراقية.

ولا أحد يريد أن تتحول مباراة كرة قدم إلى خصومة بين أبناء المدينة الواحدة أو البلد الواحد.

الفريقان ينتهيان من المباراة، واللاعبون يتصافحون، والمدربون يتبادلون التحية، بينما يواصل بعض المشجعين خصومتهم خارج الملعب وكأن نتيجة المباراة قضية حياة أو موت!

من أهم صور الروح الرياضية أن نعترف عندما يستحق المنافس الفوز، وأن نقول للخاسر: قدمتم ما تستطيعون.

ليس في ذلك انتقاص من فريقك، بل على العكس؛ الاعتراف بتفوق المنافس يجعل فوز فريقك في المرة المقبلة أكثر قيمة.

وليس من العدل أن نبحث دائماً عن شماعة نعلق عليها الخسارة: الحكم، الملعب، الجمهور، الحظ، المؤامرة، أو أي سبب آخر.

وأحياناً يكون فريقنا هو الأفضل، وعندها من حقنا أن نفرح ونحتفل، لكن من دون إهانة أحد.

نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف التشجيع.

المشجع الحقيقي ليس من يصرخ أكثر، ولا من يشتم أكثر، ولا من يستفز جمهور الفريق الآخر، ولا من يرد على كل كلمة بعشر كلمات.

المشجع الحقيقي هو الذي يشجع فريقه حتى النهاية، ويحترم المنافس، ويتقبل النتيجة، ويغادر الملعب كما دخله: محباً لكرة القدم لا كارهاً لأحد.

كما أن على الأندية والاتحادات والجهات المنظمة للمباريات مسؤولية في مواجهة هذه الظاهرة، من خلال التوعية المستمرة، وضبط السلوك داخل المدرجات، وعدم التساهل مع الاعتداءات أو الإساءات التي تتجاوز حدود التشجيع.

العراق بحاجة إلى كل مساحة تجمع أبناءه، وكرة القدم واحدة من أجمل هذه المساحات.

فلا تجعلوا المدرجات مكاناً للفرقة.

لا تجعلوا القميص الذي ترتديه سبباً في كراهية شخص يرتدي قميصاً آخر.

شجع فريقك بكل قلبك، اهتف باسمه، افرح عندما يفوز، واحزن عندما يخسر.. لكن لا تخسر إنسانيتك من أجل تسعين دقيقة.

فالنتيجة ستُنسى بعد أيام، والبطولة ستنتهي، واللاعبون سينتقلون، والمدربون سيغادرون، لكن الكلمة الجارحة قد تبقى، والاعتداء قد يترك أثراً لا تمحوه صافرة الحكم.

لقد آن الأوان أن تعود ملاعبنا إلى ما يجب أن تكون عليه: مكاناً للمنافسة لا للخصومة، للحماس لا للتعصب، وللفرح لا للإساءة.

فلنختلف في تشجيعنا، لكن لنتفق على احترام بعضنا.

فالروح الرياضية ليست شعاراً يقال بعد المباراة.. بل سلوك يجب أن يبدأ قبل صافرة البداية ويستمر حتى بعد صافرة النهاية.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *