بدأت إيران مرحلة جديدة من المواجهة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، مع دخول الحصار البحري الأمريكي الجديد حيز التنفيذ، في وقت كثفت فيه طهران اعتمادها على ما يُعرف بـ”الأسطول المظلم” للحفاظ على تدفق صادراتها النفطية، عبر شبكة من ناقلات النفط التي تستخدم أساليب معقدة لإخفاء مساراتها والالتفاف على العقوبات الأمريكية.
ودخلت إجراءات الحصار حيز التنفيذ عند الساعة 12:01 بعد منتصف ليل 15 يوليو، عقب إعلان الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب انتهاء العمل بمذكرة التفاهم التي كانت قد خففت بصورة مؤقتة القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
وأكد مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن الضغوط العسكرية والاقتصادية، وفي مقدمتها الحصار البحري، ستستمر إلى حين استجابة طهران للمطالب المتعلقة ببرنامجها لتخصيب اليورانيوم، مشددين على أن واشنطن تسعى إلى تقليص قدرة إيران على تمويل أنشطتها عبر عائدات النفط.
وفي الساعات التي سبقت دخول الحصار حيز التنفيذ، رصدت شركات متخصصة في الاستخبارات البحرية تحركات مكثفة لناقلات نفط مرتبطة بإيران، في محاولة لإعادة تموضعها قبل تشديد القيود.
وأفادت شبكة CNN، نقلًا عن شركة ويندوارد المتخصصة في الاستخبارات البحرية، برصد 23 ناقلة نفط مرتبطة بإيران في مضيق هرمز ومحيطه، أظهرت سلوكيات تصنف ضمن ما يعرف بـ”السفن المظلمة”، من بينها إيقاف تشغيل نظام التعريف الآلي (AIS)، أو إرسال بيانات مضللة بشأن الهوية والموقع، بهدف إخفاء المسارات الحقيقية للسفن.
وأوضحت الشركة أن عدداً من الناقلات قطع بث إشارات التتبع بالكامل، بينما لجأت أخرى إلى التلاعب ببياناتها الإلكترونية، وهي وسائل أصبحت من أبرز أدوات شبكات نقل النفط الإيراني للالتفاف على العقوبات الدولية.
من جهتها، أشارت شركة فورتيكسا المتخصصة في بيانات الشحن إلى أن 10 ناقلات من أصل 23 كانت محملة بالنفط، فيما كانت 13 ناقلة أخرى فارغة، بما يسمح لها بتحميل شحنات جديدة متى ما سنحت الفرصة.
وفي تطور لافت، كشفت شركات مراقبة الملاحة عن رصد ناقلة نفط حملت شحنة من الخام الإيراني من جزيرة خارك، أكبر مرافئ تصدير النفط في إيران، قبل أن تمر عبر محطة البصرة النفطية العراقية في طريقها إلى الصين.
ويرى محللون أن هذا المسار يهدف إلى إخفاء المنشأ الحقيقي للشحنة وإظهارها على أنها نفط عراقي، في واحدة من أكثر الوسائل استخدامًا لتجاوز القيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني.
ورغم تشديد العقوبات، أظهرت بيانات شركة TankerTrackers.com أن إيران واصلت تصدير كميات كبيرة من النفط خلال فترة وقف إطلاق النار السابقة، معتمدة على شبكات الشحن السرية، إذ بلغت صادراتها نحو 50 مليون برميل خلال شهر يونيو، بينما وصلت الشحنات في أحد الأيام إلى نحو 10 ملايين برميل.
كما كشفت شركة ويندوارد أن عدداً من الناقلات التي عبرت مضيق هرمز خلال فترة التهدئة أصبحت خاضعة مجدداً للعقوبات الأمريكية، من بينها سبع ناقلات عملاقة راسية في المحيط الهندي ومحملة بالنفط الإيراني، بانتظار إيجاد مشترين لشحناتها.
ويعتمد ما يعرف بـ”أسطول الظل” على شبكة واسعة من السفن التي تعمل خارج أنظمة الرقابة التقليدية، مستخدمة وسائل متعددة للتمويه، من بينها تعطيل أو التلاعب بإشارات نظام التعريف الآلي، وتنفيذ عمليات نقل النفط بين السفن في عرض البحر، وتغيير أسماء السفن وأعلام تسجيلها، إضافة إلى إنشاء شركات وهمية، وتزوير وثائق الشحن، وتبديل مسارات الرحلات لإخفاء مصدر النفط.
ورغم هذه الأساليب، تؤكد شركات الاستخبارات البحرية أنها تعتمد على صور الأقمار الصناعية، ورادارات الفتحة التركيبية، وسجلات الموانئ، وبيانات التأمين والشحن، إلى جانب تحليل إشارات الملاحة، لتعقب السفن حتى بعد اختفائها إلكترونيًا.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن إيران أمضت سنوات في بناء منظومة معقدة للالتفاف على العقوبات، تضم شبكات شحن وشركات واجهة وترتيبات مالية تمكنها من مواصلة تصدير النفط رغم القيود الدولية.
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تستحوذ الصين على نحو 80% من صادرات النفط الخام الإيراني، ما يجعلها أكبر مشترٍ للخام الإيراني، في وقت تمثل فيه عائدات النفط نحو نصف الإيرادات الحكومية الإيرانية، وهو ما يمنح هذا القطاع أهمية حيوية للاقتصاد الإيراني.
وكان الحصار البحري الأمريكي السابق، الممتد بين منتصف أبريل ومنتصف يونيو، قد أدى إلى تراجع ملحوظ في الصادرات البحرية الإيرانية، لكنه لم ينجح في وقفها بالكامل.
ويرى خبراء أن استئناف الحصار سيزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني معدلات تضخم مرتفعة، خاصة مع تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي التي تشير إلى أن نحو 90% من تجارة إيران تمر عبر الخليج العربي، ما يجعل الموانئ البحرية شريانًا أساسيًا لاستمرار حركة التجارة الخارجية.
ويؤكد محللون في شؤون الملاحة أن الحصار الجديد قد لا ينجح في وقف صادرات النفط الإيرانية بصورة كاملة، لكنه سيرفع مخاطر النقل البحري، ويزيد تكاليف التأمين، ويعقد عمليات البيع والشحن، الأمر الذي سيدفع طهران إلى توسيع اعتمادها على “الأسطول المظلم” للحفاظ على تدفق صادراتها، ولا سيما نحو الأسواق الآسيوية، فيما ستكون قدرة هذا الأسطول على تجاوز إجراءات الإنفاذ الأمريكية خلال الأسابيع المقبلة المؤشر الأبرز لقياس فعالية الحصار البحري الجديد.
