نزار آميدي إلى قصر السلام.. تسوية الرئاسة تسبق معركة الحكومة

لم يكن وصول نزار آميدي إلى قصر السلام نتيجة لحظة سياسية صافية أو توافق مكتمل، بل جاء بعد سلسلة اجتماعات ومداولات جرت بعيداً عن العلن، في وقت كان فيه العراق يحاول الخروج من انسداد طويل من دون أن يضمن فعلاً ما الذي ينتظره بعد ذلك، خاصة وسط منطقة مضطربة عسكرياً.

فانتخاب رئيس الجمهورية بدا، في ظاهره، خطوة لكسر الجمود وفتح الطريق أمام تشكيل الحكومة الجديدة، لكنه في العمق قد يكون نقل الخلاف من محطة الرئاسة إلى محطة أكثر تعقيداً، هي رئاسة الوزراء وشكل التحالف الذي سيدير المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لم يصل آميدي باعتباره المرشح الأكثر حضوراً في الخطاب السياسي أو الأكثر إثارة في المشهد العام، بل بوصفه شخصية تعرف مؤسسات الدولة من الداخل، وتتحرك داخل منطقة التفاهمات أكثر مما تتحرك داخل منطقة الصدام. وفي لحظة عراقية مثقلة بالتوترات الإقليمية والانقسامات المحلية، بدا هذا النوع من الشخصيات مقبولاً لدى أطراف متعددة كانت تبحث عن مخرج عملي، حتى لو لم يكن مخرجاً نهائياً.

آميدي، المولود في العمادية بمحافظة دهوك عام 1968، ينتمي إلى جيل من السياسيين الذين بنوا مكانتهم عبر العمل الهادئ داخل مؤسسات الدولة. درس الهندسة الميكانيكية في جامعة الموصل، ثم أمضى سنوات طويلة قريباً من مؤسسة الرئاسة، حيث عمل إلى جانب أكثر من رئيس جمهورية، قبل أن يتولى وزارة البيئة، ثم ينتقل إلى رئاسة المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني في بغداد. وهذه السيرة تمنحه صورة رجل الإدارة والتوازن، لا رجل المنابر والشعارات.

منصب رئيس الجمهورية، رغم محدودية صلاحياته التنفيذية مقارنة برئاسة الحكومة، يبقى منصباً مفصلياً لأنه يفتح المسار الدستوري لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل مجلس الوزراء. ولهذا لم تكن المعركة على الرئاسة معركة رمزية فقط، بل كانت معركة على البوابة التي ستدخل منها السلطة الجديدة.

وصول آميدي أعاد أيضاً تثبيت عرف سياسي استقر في العراق بعد 2003، حين توزعت الرئاسات الثلاث وفق التوازنات المعروفة، فذهبت رئاسة الوزراء إلى الشيعة، ورئاسة البرلمان إلى السنة، ورئاسة الجمهورية إلى الكورد. وداخل هذا الترتيب، ظل منصب رئيس الجمهورية يُدار، سياسياً، بوصفه من حصة الاتحاد الوطني الكوردستاني، فيما احتفظ الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمواقع أخرى داخل معادلة الحكم الكوردية والعراقية. ومنذ عام 2005، تعاقب على المنصب رؤساء كورد، وكان الاتحاد الوطني الطرف الأبرز في هذا المسار.