الخط ابن الصورة.. “حسن المسعودي” الحرف الذي سافر من أزقة العراق ليعانق أنوار باريس

تُجسد تجربة الخطاط العراقي حسن المسعودي نموذجًا استثنائيًا لتلاقي الموروث الشرقي مع الحداثة الغربية، حيث تمتد رحلته الإبداعية من أزقة النجف التي تشرب فيها أصول الحرف الأولية على يد خاله وأساتذة مدينته، وصولًا إلى باريس التي منحت فنه أبعادًا عالمية توجت مؤخرًا بتقليده الوسام الوطني للإستحقاق برتبة فارس

هذه المسيرة التي انطلقت من ولادته عام 1944 شهدت محطات تحول جوهرية، بدأت من احترافه الأولي في بغداد حيث صقل مهاراته التقنية عبر الخطوط التجارية والإعلانية، قبل أن ينتقل عام 1969 للدراسة في المدرسة العليا للفنون الجميلة “البوزار” بباريس، وهي المحطة التي أعاد فيها صياغة مفهوم الخط العربي ليتحول من حرف ساكن محكوم بالقواعد التقليدية إلى فن تشكيلي معاصر يتنفس في الفضاءات المفتوحة

وينتمي المسعودي إلى جيل الستينيات الطليعي في الفن العراقي، وهو الجيل الذي نجح في الموازنة بين الجذور المحلية والآفاق العالمية، حيث قاد المسعودي ثورة بصرية نقلت الخط إلى مرحلة الأداء الحي والتفاعلي، لا سيما في تجربته الرائدة “أرابيسك” عام 1972، والتي يعتبرها النقاد الحجر الأساس الذي مهد الطريق لأجيال لاحقة من الفنانين المعاصرين لتوظيف الحرف كفن أدائي في الساحات العامة

وتستند فلسفته الفنية إلى مقولة إن “الخط هو ابن الصورة”، حيث تتعامل ريشته مع الحروف كعناصر بصرية حيوية تتشابك لتشكل هياكل جمالية معقدة لا تكتفي بمحاكاة الواقع الطبيعي، بل تستلهم عمقها الثقافي من حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة، محولةً المكتوب إلى لوحة تجريدية تتجاوز حدود اللغة لتخاطب العين مباشرة

ولم يتوقف عطاء المسعودي عند اللوحة فحسب، بل امتد لتوثيق هذا الفن وتأصيله معرفيًا من خلال مؤلفاته التي تجاوزت العشرين كتابًا، ومن أبرزها “كتاب الخط العربي” الذي قدم دراسة تاريخية وتقنية شاملة، وكتاب “كاليغرافيات” الذي استعرض فيه توازنًا بصريًا مدهشًا بين اللوحات الملونة التعبيرية التي تروي سيرته الذاتية وبين اللوحات السوداء التي تحتفي بالأناقة الكلاسيكية

إن حضور أعماله في كبريات المتاحف العالمية مثل المتحف البريطاني ومتحف أوساكا، وتعاوناته العابرة للقارات مع فنانين من الشرق الأقصى وأوروبا، تؤكد أن المسعودي لم يكن مجرد خطاط، بل كان جسرًا ثقافيًا حيًا نجح في جعل جماليات الحرف العربي لغة إنسانية عالمية تتخطى حدود الزمان والمكان

إرسال التعليق