تتجه مفاوضات استكمال الكابينة الحكومية في العراق إلى إعادة رسم موازين النفوذ داخل مجلس الوزراء، مع طرح استحداث ثلاثة مناصب وزارية جديدة وتعيين أربعة نواب لرئيس الوزراء، في صفقة سياسية تثير تساؤلات بشأن حدود صلاحيات رئيس الحكومة علي الزيدي، وحجم المكاسب التي تسعى القوى السياسية والفصائل المسلحة إلى انتزاعها مقابل تمرير الوزراء المتبقين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «المدى» وتابعته نينوى الغد، فإن التفاهمات الجارية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية التسع المتبقية، بل تشمل إعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل الحكومة، وسط اعتراضات على توسيع تشكيلتها في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية، ومخاوف من أن تتحول المناصب الجديدة إلى مراكز قوة سياسية تؤثر في قرارات رئيس الوزراء.
وتأتي هذه التفاهمات بالتزامن مع القيود التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على القوى المرتبطة بإيران، ما يضفي أبعاداً سياسية إضافية على ملف توزيع المناصب والحقائب الحكومية.
أربعة نواب لرئيس الوزراء.. من يملك القرار؟
وتشير التفاهمات، وفق التقرير، إلى توزيع مناصب نواب رئيس الوزراء الأربعة على ليث الخزعلي ممثلاً عن كتلة صادقون، ومحسن المندلاوي عن الإطار التنسيقي، ومحمد تميم عن حزب تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، إلى جانب نائب كردي لم يُحسم اسمه.
وتنقل الصحيفة عن مصادر قريبة من القصر الحكومي أن الإصرار على استحداث هذه المناصب، رغم الاعتراضات المنسوبة إلى الزيدي، يرتبط بتوزيع النفوذ السياسي أكثر من ارتباطه بالحاجة الإدارية إلى مساعدين لرئيس الوزراء.
وتحذر هذه المصادر من أن الشخصيات التي ستتولى المناصب قد تسعى إلى التأثير في اجتماعات مجلس الوزراء وقراراته، بما قد يضع رئيس الحكومة أمام تحدي الحفاظ على صلاحياته الدستورية والسياسية.
وفي قراءته للمشهد، يرى إحسان الشمري، أستاذ السياسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، أن الدستور والقوانين يمنحان رئيس الوزراء صلاحيات إدارة مجلس الوزراء ورسم السياسة العامة، لكن الممارسة السياسية في العراق تجعل التوازنات الحزبية عاملاً مؤثراً في صناعة القرار.
ويشير الشمري إلى أن وجود أربعة نواب يرتبط معظمهم بقيادات سياسية تمتلك ثقلاً برلمانياً قد يفتح الباب أمام نشوء مراكز قوة داخل الحكومة، بما يضعف قدرة رئيس الوزراء على إدارة الملفات بصورة مستقلة، ويحوّل توزيع المسؤوليات الإدارية إلى ساحة تنافس سياسي.
في المقابل، يقدم ائتلاف دولة القانون قراءة مختلفة؛ إذ يؤكد الناطق باسمه عقيل الفتلاوي أن صلاحيات النواب لن تنتقص من صلاحيات رئيس الوزراء، موضحاً أن نطاق عملهم يرتبط بما يفوضهم به الزيدي، ولافتاً إلى اعتقاده بأن رئيس الحكومة لن يمنحهم صلاحيات واسعة من دون اتفاق سياسي بهذا الشأن.
وكان حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة صادقون، قد دافع عن الحاجة إلى استحداث المناصب، متسائلاً في مقابلة تلفزيونية عن كيفية إدارة رئيس الوزراء مهامه من دون مساعدين، في ظل وجود معاونين متعددين حتى في المؤسسات التعليمية.
المناصب الجديدة بلا رواتب.. لكن من يتحمل كلفتها السياسية؟
ولم يقتصر الجدل على الصلاحيات، بل امتد إلى التكاليف المالية التي كانت مطروحة ضمن المفاوضات، إذ كشف التقرير عن مقترحات تضمنت رواتب تصل إلى عشرة ملايين دينار لكل نائب، وتجهيز قصر الزقورة في المنطقة الخضراء بكلفة تُقدّر بسبعة مليارات دينار، فضلاً عن قوة حماية تضم نحو 800 حارس.
لكن الاعتراضات المنسوبة إلى الزيدي وأطراف سياسية أخرى، إلى جانب ملاحظات تتعلق بالوضع المالي للبلاد، دفعت المفاوضات، بحسب الصحيفة، إلى التوصل لاتفاق يقضي بعمل النواب الأربعة من دون رواتب أو موظفين.
ويرى الفتلاوي أن قبول الزيدي بهذه المناصب جاء في إطار التفاهمات اللازمة لاستكمال تشكيل حكومته، فيما تشير مصادر سياسية إلى أن تمرير الوزراء المتبقين ارتبط بالموافقة على الصفقة، وسط مخاوف من سحب بعض القوى وزراءها الذين نالوا ثقة البرلمان، واستمرار إدارة تسع حقائب بالوكالة.
ويضيف التقرير أن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي كان من أبرز المعترضين على استحداث المناصب، قبل أن تتحدث المصادر عن تراجعه في سياق تفاهمات تتعلق بالحصول على وزارتي الداخلية والتعليم العالي.
كما أشار التقرير إلى تهديد عصائب أهل الحق بالتخلي عن مقاعدها البرلمانية البالغة 28 مقعداً مقابل الحصول على وزارة الداخلية، في سياق الخلاف بشأن توزيع المناصب والحقائب.
الحقائب التسع.. صراع على الأسماء والنفوذ
وفيما تتواصل المفاوضات بشأن الحقائب الوزارية التسع المتبقية، تتجه الأنظار إلى وزارات سيادية وخدمية، تتقدمها الداخلية والتعليم العالي والعمل والشباب والرياضة والدفاع والثقافة والتخطيط والإعمار والهجرة.
وبحسب الأسماء التي أوردها التقرير، يُتوقع أن تذهب وزارة الداخلية إلى ائتلاف دولة القانون، مع طرح اسم ياسر صخيل للمنصب بدلاً من قاسم عطا، فيما رشح الائتلاف بهاء حيدر الحسني، عميد كلية الصيدلة في جامعة النهرين، لتولي وزارة التعليم العالي، بعد تعثر ترشيح عامر الخزاعي في الجولة الأولى من التصويت.
أما وزارة العمل، فيُتداول اسم محمد التميمي لتوليها، بعد أن كانت الحقيبة مخصصة لأحمد الأسدي، زعيم فصيل جند الإمام والوزير السابق، الذي قال التقرير إنه غادر العراق إلى أستراليا قبل نحو شهرين، على خلفية اتهامات لم يوضح التقرير تفاصيلها بصورة مستقلة.
وفي وزارة الشباب والرياضة، يُطرح اسم صفاء الكناني، مدير مكتب عمار الحكيم، فيما لا تزال بعض الترشيحات السنية موضع خلاف، خصوصاً بشأن وزارة الدفاع، التي قد تشهد استبدال نايف الشمري بعلي الأعرجي.
كما تتواصل المفاوضات بشأن وزارة الثقافة بين حزب عزم وحزب تقدم، مع تداول أسماء بديلة عن المرشحين السابقين، في حين يتوقع أن تذهب وزارة التخطيط إلى مرشح عن عزم، هو محمد النعيمي، بعد استبعاد اسم محمود القيسي.
وفي الجانب الكردي، يشير التقرير إلى احتمال تخصيص منصب نائب رئيس الوزراء الرابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى جانب وزارة الإعمار، مع تداول اسمي ياسين الدوسكي وريباز حملان لتولي الحقيبة.
أما وزارة الهجرة، فتبرز ضمن المفاوضات المتعلقة بتمثيل المكون المسيحي، وسط حديث عن مساعٍ لضمان الحصة لريان الكلداني، القيادي في الحشد الشعبي.
وتعكس هذه الترشيحات، وفق المصادر التي نقل عنها التقرير، أن توزيع الحقائب لا يجري فقط بين القوى التي تعلن مطالبها بصورة مباشرة، بل يتأثر أيضاً بتدخلات وتحالفات تسعى إلى دعم أطراف قريبة منها داخل المكونات السياسية المختلفة.
ثلاث وزارات جديدة.. توسع حكومي أم تعويضات سياسية؟
وتتضمن الصفقة المطروحة استحداث ثلاث وزارات جديدة، تقول مصادر سياسية إنها جاءت استجابة لمطالب القوى المشاركة في المفاوضات، وليس نتيجة مبادرة حكومية مستقلة.
وتتمثل الوزارة الأولى في السياحة، التي يُقترح فصلها عن وزارة الثقافة، مع ترجيح منحها لكتلة سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي، وطرح اسم علي الخفاجي لتوليها.
أما الوزارة الثانية، فتتعلق بالذكاء الاصطناعي أو التحول الرقمي، ولم يُحسم اسمها النهائي، وسط توقعات بمنحها لكتلة شبل الزيدي، المعروفة بكتائب الإمام علي، مع تداول اسم محمد الدراجي مرشحاً لها.
ونقل التقرير عن علي نهير، ممثل الكتلة، قوله إن شبل الزيدي تنازل عن حصته في منصب نائب رئيس الوزراء، لكن قادة الإطار التنسيقي رأوا أن تعويضه بحقيبة جديدة تُعنى بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يخدم التفاهمات السياسية.
أما الوزارة الثالثة، فيُرجح أن تكون وزارة دولة تُمنح للمكون التركماني، ضمن ترتيبات استكمال التشكيلة الحكومية.
ويفتح استحداث هذه الوزارات باب التساؤلات بشأن جدوى توسيع الهيكل الحكومي في ظل التحديات المالية، ومدى ارتباط إنشاء المؤسسات الجديدة بالحاجة الفعلية إلى تطوير الأداء الحكومي، مقارنة بما قد توفره من مواقع إضافية لتوزيع المكاسب السياسية.
جلسة البرلمان.. اختبار التفاهمات وموقف الزيدي
وفي ما يتعلق بجلسة التصويت على الوزراء، يرى الشمري أن إرسال الزيدي كتاباً إلى مجلس النواب لتحديد موعد التصويت يشير إلى وجود تفاهمات أولية تسمح بتمرير عدد كبير من المرشحين، وإن كان ذلك لا يعني وجود اتفاق نهائي بين جميع القوى السياسية.
ويرجح الشمري أن رئيس الوزراء لم يكن ليتخذ هذه الخطوة قبل الحصول على مؤشرات إيجابية بشأن المرشحين للحقائب المتبقية والوزارات المستحدثة، لكنه يشير إلى أن نجاح الصفقة سيظل مرتبطاً بمدى التزام الأطراف بتفاهماتها.
وتسعى القوى السياسية، وفق التقرير، إلى تمرير المرشحين وفق مبدأ «السلة الواحدة»، بما يتيح تبادل الدعم بين الكتل، ويقلل احتمالات سقوط بعض الأسماء كما حدث في جلسة منح الثقة الأولى.
وبينما قد تفضي هذه التفاهمات إلى استكمال الكابينة الحكومية، يبقى التحدي الأكبر أمام علي الزيدي مرتبطاً بقدرته على تحويل المناصب الجديدة إلى أدوات لتوزيع المسؤوليات، لا إلى مراكز نفوذ موازية تحدّ من صلاحياته.
فالمعركة، وفق قراءة المشهد، لا تتعلق فقط بمن سيحصل على الوزارة أو المنصب، بل بمن سيمتلك القرار داخل الحكومة، وما إذا كان رئيس الوزراء سيتمكن من فرض أولوياته، أم أن استكمال الكابينة سيأتي بثمن سياسي يعيد رسم حدود سلطته منذ بداية ولايته.
