المقالات

حين يصبح الإصلاح الاقتصادي عبئًا على الاقتصاد

عبدالله النجيفي

في معمل صغير للطابوق عند أطراف مدينة، يجلس صاحبه أمام دفتر مفتوح يعيد الحساب للمرة الثالثة. كلفة الوقود تغيّرت منذ أيلول، وكلفة النقل تبعتها، والسعر الذي كان يبيع به قبل شهرين لم يعد يغطي ما كان يغطيه. وعلى الرصيف المقابل يقف عمال اعتادوا أن يأتي من ينقلهم كل صباح إلى ورشة بناء. الدفتر والرصيف وجهان لمسألة واحدة.

اتخذت الحكومة خلال الأشهر الماضية قرارات اقتصادية كبيرة. ففي مطلع أيلول رُفع الدعم عن المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات الاقتصادية، مع استثناء المنتجات الأساسية المخصصة للمواطنين. وفي مطلع تشرين الأول عُدّل سعر الصرف الرسمي إلى ألف وخمسمئة دينار للدولار، ثم أُعفيت المواد الغذائية والأدوية المستوردة من الرسوم الكمركية، وأُجّل استيفاء الرسوم عن اللحوم الحية والدجاج والبيض. ولكل قرار منها منطقه المعلن: ترشيد نفقات الدعم، وتخفيف أثر تعديل سعر الصرف على الأسعار.

وهذه أهداف مشروعة. لكن السؤال الذي يستحق النقاش ليس في نية القرارات، بل في منهج تصميمها. فالإصلاح المالي والإصلاح الاقتصادي ليسا شيئًا واحدًا. الأول يُقاس بما يدخل الخزينة وما يخرج منها، والثاني يُقاس بما ينتجه المجتمع ويشغّله من أيدٍ عاملة. وقد يتحسن الأول بينما يتراجع الثاني، فنكون قد أصلحنا الحساب وأضعفنا الاقتصاد الذي يموّله.

خذ الإعفاء الكمركي مثالًا. أثره على المستهلك مفهوم ومطلوب في لحظة ضغط على القدرة الشرائية. لكن الرسم الكمركي ليس بندًا إيراديًا فحسب؛ إنه أيضًا أداة تنظم المنافسة بين المستورد والمحلي. وإعفاء واسع بلا قوائم سلعية واضحة، وبلا ربط بموسم الإنتاج الزراعي، يعني أن الخضرة والفاكهة والمنتج الغذائي المحلي قد يواجه بضاعة مستوردة دخلت بلا رسم، في وقت لم تنخفض فيه كلفة إنتاجه هو.

وهنا يظهر التناقض: نسهّل دخول المستورد إلى السوق، ونترك المنتج العراقي يواجه كلفة طاقة أعلى، ونقلًا أغلى، وتمويلًا أصعب، وسعر صرف جديد يرفع كلفة مستلزماته المستوردة. المزارع والصناعي لا يطلبان حماية من المنافسة، لكنهما يطلبان أن تكون المنافسة متكافئة الشروط.

وأثر كلفة الطاقة لا يتوقف عند بوابة المصنع. فمعامل الإسمنت التي كانت تحصل على وقود بسعر مدعوم تنقل جزءًا من الكلفة إلى الطن، والطابوق يتبعه، والنقل يتبعهما، وتصل الزيادة في النهاية إلى المقاول وإلى تكلفة المتر في البناء. وحين يتردد البناء، لا يتأثر المستثمر والمقاول وحدهما، بل الحداد والنجار والكهربائي والسبّاك وعامل البناء والسائق وصاحب الورشة الصغيرة. وخلف كل واحد من هؤلاء عائلة لا تنتظر نتائج الموازنة، بل تنتظر عملًا هذا الأسبوع.

ولا يصح القفز إلى أحكام قاطعة؛ فالأثر الكامل لهذه القرارات لم تظهر بياناته بعد، وارتفاع الأسعار لا يُردّ إلى سبب واحد، ولا تُقاس آثار شهرين كما تُقاس آثار سنة. لكن المخاطر الاقتصادية واضحة بما يكفي لتستحق قياسًا مسبقًا: ضعف في القدرة التنافسية، وتأجيل استثمارات، وتباطؤ في التشغيل في قطاع يستوعب عمالة واسعة وغير منظمة.

ومن هنا يأتي سؤال الجدوى. حين تُحتسب جدوى قرار، يُحسب عادة ما توفره الخزينة من نفقات دعم أو ما تجنيه من رسوم. لكن الحساب يبقى ناقصًا ما لم يُقابَل بما قد يخسره الاقتصاد: إنتاجًا يتوقف، واستثمارًا يتأجل، وضريبة لم تُحصّل من نشاط لم يحدث، وشابًا خرج من سوق العمل الخاص ليضيف نفسه إلى طابور التوظيف الحكومي الذي نحاول تخفيف أعبائه أصلًا. الوفر الظاهر اليوم قد يكون كلفة مؤجلة في موازنة بعد سنتين.

والإصلاح المتوازن ليس رفضًا للانضباط المالي؛ لا أحد يدافع عن استمرار الهدر أو عن دعم يذهب أكثره إلى غير مستحقيه. لكن الانضباط يصير إصلاحًا حين يُرافقه تدرج في رفع الدعم يمنح المنتج وقتًا للتكيف، وحماية مباشرة لمحدودي الدخل بدل دعم عام يستفيد منه القادر أكثر من المحتاج، ودعم مشروط ومؤقت للصناعات كثيفة الطاقة مقابل أداء يُقاس لا يُفترض، وتحصيل جاد للإيرادات غير النفطية من المنافذ والضرائب الكبيرة، ورفع لكفاءة الإنفاق قبل خفضه. وأهم من ذلك كله أن تُقرأ السياسة المالية والسياسة الصناعية والزراعية والتجارية في طاولة واحدة، لا في وزارات تتحرك كل منها وحدها.

فالمشكلة في النهاية ليست في قرار منفرد، بل في غياب النظرة التي تربط القرارات بعضها ببعض. وقوة أي اقتصاد لا تُقاس بما توفره خزينته وحدها، بل بما يستطيع مجتمعه أن ينتجه، وبما يوفره ذلك الإنتاج من عمل وكرامة واستقرار.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *