الشأن الموصلي

تأخر الرواتب يثقل أسواق الموصل.. نصف التسوق اختفى والركود يطرق أبواب المهن

Screenshot

لم يعد تأخر صرف الرواتب الحكومية في الموصل ينعكس على الموظفين وحدهم، بل امتد تأثيره إلى الأسواق والمحلات التجارية وأصحاب المهن ووسائل النقل، في وقت تشهد فيه حركة البيع والشراء تراجعاً ملحوظاً، مع اضطرار كثير من الأسر إلى حصر إنفاقها في الاحتياجات الأساسية وتأجيل ما يمكن تأجيله إلى حين وصول الرواتب.

وفي أسواق الموصل، تبدو الحركة أقل من المعتاد، إذ يلاحظ أصحاب المحال انخفاض أعداد المتبضعين، فيما باتت عمليات الشراء تتركز على المواد الغذائية والحاجات الضرورية، مقابل تراجع واضح في شراء الملابس والأحذية والأجهزة المنزلية والكماليات وغيرها من السلع التي يمكن للمستهلك الاستغناء عنها مؤقتاً.

ويقول عدد من أصحاب المحال إن حجم التسوق لدى شريحة واسعة من الزبائن تراجع إلى ما دون النصف مقارنة بالفترات التي تشهد انتظاماً في صرف الرواتب، مؤكدين أن المشكلة لا تتعلق بارتفاع الأسعار وحده، وإنما بتراجع السيولة المتاحة لدى الأسر وقدرتها على الإنفاق.

الراتب المتأخر.. سوق بلا حركة

ويرى أصحاب محال أن الموظف عندما يتأخر راتبه، فإنه لا يتوقف عن شراء الطعام والدواء والاحتياجات الأساسية، لكنه يؤجل الكثير من المشتريات الأخرى، وهو ما يخلق حلقة من الركود تبدأ من الأسرة وتمتد إلى التاجر والعامل وصاحب المهنة.

ويقول أحد أصحاب المحال، في حديث افتراضي للموقع، إن الزبون يدخل إلى المحل ويسأل عن الأسعار، لكنه غالباً ما يغادر من دون شراء، أو يكتفي بقطعة واحدة بدلاً من عدة حاجات كان يخطط لشرائها.

ويضيف أن التاجر بدوره أصبح أكثر حذراً في شراء البضائع، خشية تراكمها على الرفوف، في ظل ضعف الطلب وانخفاض القدرة الشرائية.

العمال أيضاً يدفعون ثمن الركود

ولا تتوقف آثار تراجع حركة الأسواق عند أصحاب المحال، إذ انعكست قلة المتسوقين على العمال وأصحاب المهن اليومية، الذين يعتمد دخلهم بشكل مباشر على حركة السوق.

فالعامل الذي كان يحصل على عدة طلبات خلال اليوم أصبح يواجه ساعات أطول من الانتظار، فيما تراجعت أعمال بعض المهن المرتبطة بالمحال والأسواق، مثل عمال التحميل والنقل والتوصيل والخدمات المختلفة.

ويقول أحد العاملين بالأجر اليومي إن ضعف حركة البيع يعني بالضرورة انخفاض عدد فرص العمل اليومية، موضحاً أن دخله مرتبط بعدد الزبائن وحجم النشاط داخل السوق، وليس براتب ثابت يمكن الاعتماد عليه في نهاية الشهر.

وسائل النقل في دائرة التأثر

حتى وسائل النقل لم تكن بعيدة عن تداعيات الركود، إذ أدى انخفاض حركة المتسوقين إلى تراجع عدد الرحلات القصيرة التي كانت تنشط باتجاه الأسواق والمراكز التجارية.

ويشير سائقون إلى أن حركة الركاب أصبحت أضعف، خصوصاً في ساعات كانت تشهد عادةً ازدحاماً واضحاً، لافتين إلى أن المواطن عندما يقلل مشترياته ويتجنب الخروج إلى الأسواق، فإن ذلك ينعكس تلقائياً على سيارات الأجرة والنقل الداخلي وخدمات التوصيل.

وبذلك تتحول مشكلة تأخر الرواتب من أزمة مالية تخص الموظف إلى تأثير اقتصادي متسلسل يبدأ من الأسرة، ويمر بالسوق، وصولاً إلى أصحاب المهن والعمال ووسائل النقل.

الإنفاق الضروري أولاً

ويبدو أن الأسر في الموصل تتعامل مع فترة تأخر الرواتب بسياسة إنفاق أكثر تحفظاً، تقوم على ترتيب الأولويات وتأجيل المشتريات غير الضرورية.

فبدلاً من شراء الملابس أو تغيير الأجهزة المنزلية أو ارتياد المطاعم والمقاهي أو القيام بمشتريات إضافية، تتركز الأولوية على الغذاء والدواء وفواتير الخدمات والاحتياجات اليومية.

ويقول مواطنون إنهم باتوا يفضلون الاحتفاظ بما لديهم من أموال تحسباً لاستمرار التأخر، الأمر الذي يعني مزيداً من انخفاض السيولة المتداولة داخل الأسواق.

دورة اقتصادية تبدأ من الراتب

اقتصادياً، يعتمد جزء كبير من النشاط التجاري في المدن العراقية على الإنفاق المحلي، ولذلك فإن أي تأخير في دخول الرواتب إلى جيوب الموظفين يمكن أن يترك أثراً سريعاً على الأسواق، خصوصاً في المدن التي تشكل فيها الرواتب الحكومية مصدراً مهماً من مصادر الإنفاق.

فالموظف يشتري من السوق، والتاجر يعيد شراء البضائع من المورد، والمورد يدفع أجور النقل والعمال، فيما يستفيد سائقو سيارات الأجرة وخدمات التوصيل والمهن الأخرى من حركة المواطنين.

وعندما تتباطأ هذه الدورة، تتراجع حركة الأموال بين هذه الحلقات، ويظهر أثرها في شكل ركود نسبي في الأسواق.

وفي الموصل، يقول أصحاب محال وعمال إن عودة الرواتب إلى الانتظام لا تعني فقط حصول الموظف على مستحقاته، وإنما تعني أيضاً عودة جزء من الحركة إلى الأسواق والمهن والخدمات التي تعتمد على الإنفاق اليومي للمواطنين.

وبينما تنتظر الأسر وصول رواتبها لتلبية احتياجاتها المؤجلة، ينتظر التجار والعمال وأصحاب المهن بدورهم عودة الزبون إلى السوق، في مشهد يعكس كيف يمكن لتأخر الرواتب أن يتحول من مشكلة فردية إلى حالة اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة من الحياة اليومية.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *