المقالات

الرقابة استثمار لا كلفة: قراءة في أرقام هدر المال العام

عبدالله النجيفي

إذا كانت الدولة تسعى إلى تحقيق نجاح حقيقي في هذه المرحلة، فإن أول خطوة ينبغي أن تتخذها هي إعادة الاعتبار لمنظومة الرقابة، والخروج من حالة إضعاف الأجهزة الرقابية ومعاقبتها إلى مرحلة تمكينها ومنحها الأدوات اللازمة لأداء دورها. فالدول لا تُبنى بإضعاف الرقابة، بل ببناء مؤسسات قادرة على كشف الهدر ومنع الفساد قبل وقوعه.

وتمر الدولة اليوم بظرف اقتصادي دقيق، فقد شخّصت اللجنة المالية النيابية شحّاً في السيولة ناتجاً عن تراجع الإيرادات، مبيّنة أن الإيرادات غير النفطية لم تبلغ (١٣) تريليون دينار سنوياً في حين يُفترض أن تتجاوز (٢٠) تريليون دينار، وأن الإيراد الكلي إذا بلغ (١٤٠) تريليون دينار يكفي حاجة الدولة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الرقابة استثماراً مالياً قبل أن تكون إجراءً إدارياً، لأن الأموال التي تُستعاد أو يُمنع هدرها تفوق بكثير كلفة الأجهزة التي تقوم بهذه المهمة.

ومن المفارقات أن مجموع رواتب مجلس النواب وجميع الهيئات المرتبطة به — ومن بينها ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيئة النزاهة وهيئة المساءلة والعدالة وهيئة دعاوى الملكية — بلغ في عام (٢٠٢٥) نحو (٥٥١) مليار دينار، أي ما لا يتجاوز نصفاً في المئة من الإنفاق العام الذي يتخطى (١٣٠) تريليون دينار سنوياً. ومع هذه النسبة الضئيلة، تمثل هذه الأجهزة خط الدفاع الأول عن المال العام. وبالتالي فإن تقويتها وتوفير الحماية والاستقلالية لها لا يُعد عبئاً على الموازنة، بل هو من أعلى الاستثمارات عائداً على الدولة، لأن كل دينار يُنفق لتعزيز الرقابة يمكن أن يحمي أو يستعيد عشرات أو مئات الدنانير التي كانت ستُهدر.

ولننظر إلى ما كشفه تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام (٢٠٢٥)، الذي نوقش تحت قبة البرلمان: عدم تسديد (٢٦) تريليون دينار من أرباح الشركات العامة، ونحو (٤) تريليونات دينار غير مستحصلة كقرارات تضمين قضائية، وفروقات ضريبية تقارب (٣٨٩) مليار دينار على شركات جولات التراخيص النفطية، وتجاوزات على أكثر من (٥٠٠) ألف عقار عائد للدولة. وأضاف رئيس الديوان في تصريحه بتاريخ (٢٤) تموز (٢٠٢٦) أرقاماً أشد وطأة: سلف متراكمة غير مسوّاة تُقدَّر بـ (١٠٠) تريليون دينار منذ عام (٢٠٠٤)، ومستحقات غير مسددة للخزينة العامة بنحو (٢٤) تريليون دينار.

ولوضع هذه الأرقام في سياق مفهوم: بلغ إنفاق مجلس النواب نحو (٤٩٥) مليار دينار خلال عشرة أشهر من عام (٢٠٢٤)، أي ما يقارب (٦٠٠) مليار دينار سنوياً لتمويل مجلس يضم (٣٢٩) نائباً وكوادره الوظيفية كافة. ومعنى ذلك أن مبلغ (٢٦) تريليون دينار المتأخر على الشركات العامة وحده يكفي لتمويل السلطة التشريعية الاتحادية بكاملها لأكثر من (٤٠) عاماً. وحتى الرقم المتداول في ملف واحد فقط — قضية مصافي الشمال، التي تحدثت تقارير نيابية وصحفية عن هدر يقارب (١٢) تريليون دينار فيها — يكفي وحده لتمويل مجلس النواب قرابة (٢٠) عاماً.

أما مجالس المحافظات، فكلفتها مجتمعة تبقى جزءاً محدوداً من كلفة السلطة التشريعية الاتحادية. وحتى لو افترضنا جدلاً أنها تعادلها، فإن ما تأخّر تحصيله في ملف أرباح الشركات العامة وحده يكفي لتمويل مجالس المحافظات الخمس عشرة مدة تتجاوز (٤٠) عاماً. والمفارقة الأوضح أن هذه الأرقام لم تُكتشف بالصدفة، وإنما كشفتها الأجهزة الرقابية ذاتها التي يُطرح تقليص كلفتها بين حين وآخر.

إن هذه الأرقام تؤكد أن المشكلة ليست في كلفة المؤسسات الرقابية أو التشريعية، وإنما في حجم الأموال التي تُهدر نتيجة ضعف الرقابة أو تعطيلها، وفي الفجوة بين ما تكشفه التقارير وما يُتخذ بشأنه من إجراءات. ولعل أخطر ما ورد في نقاشات البرلمان الأخيرة أن حالات هدر بمليارات الدنانير مرّت من دون أن تُسجَّل عليها ملاحظات في الحسابات الختامية، وهو مؤشر على أن الخلل لا يقتصر على من يهدر المال، بل يمتد إلى ضعف أدوات الكشف والمساءلة.

لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتفعيل الأجهزة الرقابية، ومنحها الاستقلالية والحماية القانونية، وربط تقاريرها بإجراءات تنفيذية ملزمة لا بتوصيات تُكرَّر سنوياً، وإخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء، من أعلى مسؤول في الدولة إلى أصغر موظف فيها.

فالرقابة ليست عقبة أمام التنمية، بل هي الضمانة الأساسية لحماية المال العام، وتقليل الهدر، وتعظيم الإيرادات، ورفع كفاءة الإنفاق، وزيادة الإنتاجية. وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، فإن الدولة لا تحتاج إلى تقليص الرقابة، بل إلى مضاعفة فاعليتها، لأن أقصر طريق لتخفيف الأزمة المالية ليس بفرض أعباء جديدة على المواطن، وإنما بإغلاق منافذ الهدر والفساد، وضمان أن يصل كل دينار من المال العام إلى الغاية التي خُصص لها.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *