المقالات

الامتحان الحقيقي للدولة

بقلم – عبدالله النجيفي

في الثانية بعد منتصف الليل، يقف رجل بسيارته عند إشارة حمراء في شارع خالٍ. لا شرطي، ولا كاميرا، ولا سيارة قادمة من أي اتجاه. ينتظر ثلاثين ثانية كاملة، ثم يمضي. لو سألته لماذا، لما وجد جوابًا جاهزًا؛ سيقول: «هكذا يجب». وفي وقفته تلك جواب عن سؤال أكبر بكثير مما تحتمله إشارة مرور.

الرجل لم يقف خوفًا. الخوف يحتاج إلى من يراقب، والشارع خالٍ. وقف لأنه يفترض — دون أن يفكر — أن هذه القاعدة تنطبق عليه وعلى غيره، وأن من يخالفها في وضح النهار سيُسأل عنها. هذا الافتراض الصامت، لا أكثر ولا أقل، هو ما نسميه هيبة الدولة.

ونحن نستعمل العبارة ونعني بها غالبًا شيئًا آخر: عددًا من الحواجز، أو حضورًا أمنيًا كثيفًا، أو خطابًا حازمًا. وهذه كلها قد تدل على قوة، لكنها لا تدل بالضرورة على هيبة. الفرق بينهما بسيط وحاسم: القوة تعمل حين تكون حاضرة، والهيبة تعمل حين تغيب. ما يفعله الناس والدولة تنظر إليهم لا يقول عنها شيئًا؛ ما يفعلونه حين لا ينظر أحد هو الشهادة الحقيقية.

ولهذا فإن الخوف، مهما بدا فعّالًا، أداة قصيرة العمر. إنه يُنتج طاعة مؤقتة ومكلفة، تحتاج إلى وجود دائم في كل مكان، وتنتهي بانتهائه. أما العدالة فتُنتج شيئًا مختلفًا: احترامًا يعمل من الداخل، ولا يحتاج إلى رقيب. الناس لا يحترمون الجهة التي تستطيع أن تؤذيهم؛ يحترمون الجهة التي تنصفهم حين يظلمهم غيرها.

غير أن الدولة لا تُختبر حقًا في تطبيق القانون على من لا يملك حيلة. هذا هو أسهل ما تفعله. الامتحان الحقيقي يبدأ حين يوجد من يحاول أن ينشئ قواعده الخاصة خارج القانون — أي مرجعية موازية، مهما كان اسمها أو مصدر قوتها، تقول للناس ضمنًا إن هناك طريقًا آخر لتسوية الأمور. والخطر الأكبر ليس وجود نفوذ خارج المؤسسات؛ فالنفوذ موجود في كل المجتمعات بأشكال مختلفة. الخطر أن يصل المواطن إلى قناعة عملية بأن حقه قد يعود إليه من غير طريق القانون، وأسرع.

تأمل ما يحدث في رأس رجل وقعت له مشكلة. إن كان أول ما يخطر له هو: أين أقدّم شكواي؟ فالدولة بخير، مهما كانت شكواه بطيئة. أما إن كان أول ما يخطر له: من أعرف؟ ومن صاحب القرار الحقيقي هنا؟ وأي طريق يعيد لي حقي أسرع؟ — فهذه اللحظة الصامتة هي التي تُمتحن فيها الدولة فعلًا. لا يعلنها أحد، ولا تُسجَّل في تقرير، لكنها تتكرر يوميًا في آلاف الرؤوس.

والمواطن هنا لا يتمرد ولا يعادي أحدًا؛ إنه يتكيّف، كما يفعل أي إنسان عاقل. يتعلم خريطة الطرق المختصرة، ويورّثها لأبنائه بوصفها خبرة حياة. وهكذا تنشأ، بلا قرار من أحد، منظومة موازية للقانون: غير مكتوبة، لكنها معروفة للجميع. والقانون حين ينافسه طريق أقصر منه، يخسر لا لأنه ضعيف الصياغة، بل لأنه صار الخيار الأبطأ.

ومن هنا فإن الدولة القوية ليست التي تمنع الناس من الاعتراض؛ هذا فهم مقلوب للقوة. الدولة القوية هي التي تجعل الجميع، مهما اختلفوا، يعودون إلى المرجع نفسه: نص واحد، وإجراء واحد، وجهة واحدة تفصل. أن يختلف الناس أمر طبيعي؛ المهم أين يذهبون بخلافهم.

وهنا تظهر قيمة ما يبدو تفصيلًا إداريًا صغيرًا. حين يُراجَع قرار قد يقلّص مساحة خضراء في مدينة، فالمهم ليس نتيجة المراجعة بقدر أن القرار مرّ بطريق معلوم، وأن أحدًا سأل عن مبرراته. وحين يُعاد النظر في ملف أراضٍ ممنوعة من البناء خلفه حقوق آلاف العائلات، فالقيمة في أن المسألة عولجت بوصفها إجراءً يُراجَع، لا حالات فردية تُحل حسب من يعرف من. وحين يجري توزيع سبعة عشر ألف وظيفة عبر نظام إلكتروني معلن تظهر فيه شروط المفاضلة ونتائجها، فإن ما يستحق الانتباه ليس العدد، بل أن كل متقدم صار قادرًا على أن يرى أين وقف ولماذا.

هذه ليست إنجازات تُعرض؛ إنها أمثلة على قاعدة واحدة: أن يكون الإجراء هو المرجع، لا العلاقة الشخصية ولا النفوذ ولا الاجتهاد الفردي مهما حسنت نيته. الدولة القوية لا تطلب من الناس أن يثقوا بالأشخاص؛ تبني إجراءات يستطيع الناس أن يتحققوا منها بأنفسهم، فتصير الثقة في مكانها الصحيح: في النظام، لا في نوايا من يديره اليوم.

ويقتضي الإنصاف أن يُقال إن هذا التزام على الطرفين. الإجراء الذي يُراد له أن يكون المرجع يجب أن يكون قادرًا على أداء وظيفته: أن يكون قريبًا، ومفهومًا، وسريعًا بما يكفي. القانون البطيء لا يهزمه خصم؛ يهزمه انتظار طويل يدفع صاحب الحق إلى البحث عن طريق آخر. فالمسألة في نظر صاحب الحاجة ليست نظرية؛ إنها مقارنة عملية بين طريقين: هذا يأخذ سنة، وذاك يأخذ أسبوعًا. ومن يجري هذه المقارنة مرات يصل إلى نتيجة. وهكذا تخسر الدولة شيئًا من هيبتها لا في مواجهة ولا في أزمة، بل في صمت غرفة انتظار، ومن غير أن يشعر أحد.

ولهذا فإن استعادة الهيبة لا تبدأ من حيث نظن غالبًا. إغلاق الطرق الموازية إجراء لازم، لكنه وحده لا يكفي؛ فالطريق الموازي لم ينشأ من فراغ، بل نشأ لأن حاجة لم تجد جوابًا. والمواطن الذي يسلكه لا يفعل ذلك رفضًا للدولة ولا حبًا بمن يقف هناك، بل لأنه وجده أسرع وأوضح. والحاجة إن لم تُلبَّ من باب، بحثت عن باب آخر. لذلك تبدأ الاستعادة من الجهة المقابلة: أن يصير طريق القانون هو الطريق الطبيعي، الأقصر والأوضح والأعدل. وحين يحدث ذلك يذبل البديل وحده، بلا معركة، لأنه يفقد سبب وجوده.

وهذا هو الفرق بين دولة يكون القانون فيها الطريق الوحيد، ودولة يكون فيها الطريق المختار. الأول وضع يمكن فرضه بعض الوقت؛ والثاني وضع يُكتسب ولا يُفرض. القانون في نهاية الأمر لا ينتصر لأنه أقوى، بل لأنه أثبت في تجربة الناس اليومية أنه أفضل من أي بديل: أعدل في نتيجته، وأسرع في الوصول إليها، وأوضح في طريقه. وحين يختار المواطن هذا الطريق وهو يملك غيره، تكون الدولة قد ربحت ما لا تشتريه بأي قوة.

كما أن الهيبة لا تعني أن يصمت الناس. المجتمع الذي لا ينتقد ليس مجتمعًا مهيبًا، بل مجتمعًا مؤجَّل المشكلات. المطلوب أن يكون النقد نفسه محكومًا بالقانون، وأن تمر المطالبة بالحق عبر المؤسسات لا خارجها. والفرق بين الاثنين ليس في نبرة الصوت، بل في العنوان الذي يُوجَّه إليه.

وبناء الهيبة بهذا المعنى ليس حدثًا يُعلَن، بل عمل يومي لا يلفت النظر: معاملة تُنجز في وقتها، وقضية تُحسم بلا تأخير، وإجراء يُشرح للناس بلغة يفهمونها، ومرجع واحد يعرف الجميع أنه المرجع. تُبنى الهيبة بالتراكم، كما تُفقد بالتراكم تمامًا.

يعود بنا هذا كله إلى ذلك الرجل الواقف عند إشارة حمراء في شارع خالٍ. وقوفه لم يكن طاعة لأحد، بل ثقة بأن القاعدة نفسها ستُطبَّق على من يأتي بعده. تلك الثقة هي كل ما تملكه الدولة في النهاية، وهي أرخص ما يمكن أن تخسره وأغلى ما يمكن أن تبنيه.

الدولة القوية ليست التي لا يختلف معها أحد، بل التي يعود إليها الجميع حين يختلفون. فما دام القانون هو المرجع الأخير، بقيت قوية وإن كثر الجدل. وهيبتها لا تبدأ يوم يخافها الناس، بل يوم يطمئنون إلى أن القانون فيها أقوى من أي نفوذ، وأن العدالة فيها لا تحتاج إلى طريق آخر.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *