نينوى الغد/ تحرير ع. ن
منذ سنوات وأنا أعتز بانتمائي لهذا الوطن، وأؤمن أن العراق أكبر من خلافاتنا، وأن الرياضة كانت وستبقى إحدى أهم المساحات التي تجمع العراقيين على اختلاف توجهاتهم. لذلك فإن الدفاع عن الكرة العراقية لا يعني الدفاع عن الأخطاء، كما أن نقدها لا ينبغي أن يتحول إلى حملة دائمة لهدم كل جهد يُبذل.
ما قاله المعلق العماني خليل البلوشي خلال مباراة العراق والسنغال لم يكن موجهاً ضد العراق، بل كان دعوة صريحة لمراجعة الذات. فقد أشار إلى أن إحدى مشكلات الكرة العراقية تكمن في جزء من الخطاب الإعلامي الذي يفضل صناعة الأزمات وإشعال الخلافات على دعم الاستقرار والعمل المؤسسي. وقد يكون كلامه قاسياً على البعض، لكنه يستحق التأمل بعيداً عن الانفعال.
وللأسف، فإن المتابع للعديد من البرامج الرياضية في قنوات دجلة، وعراق الحدث، وآي نيوز، يلاحظ أن بعض مقدمي البرامج تجاوزوا في كثير من الأحيان حدود النقد المهني، واتجهوا إلى خطاب يقوم على الإثارة والصدام والاتهامات المتكررة، وكأن نجاح البرنامج يقاس بحجم الضجيج الذي يصنعه لا بقيمة المعلومة التي يقدمها.
لا أحد يطالب الإعلام بأن يكون بوقاً لأي اتحاد أو مؤسسة رياضية، بل على العكس، الإعلام الحر هو صمام أمان لأي منظومة ناجحة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الرقابة المهنية القائمة على الأدلة والوقائع، وبين جلد مستمر لكل خطوة إيجابية، وتحويل كل قرار إلى مادة للتشكيك والتحريض.
إن بعض البرامج باتت تكرس ثقافة التشاؤم، وتقدم الخلافات الشخصية على أنها قضايا وطنية، وتمنح مساحة واسعة للمهاترات أكثر من مساحة التحليل الفني الرصين. والنتيجة أن الجماهير تنشغل بالانقسامات اليومية أكثر من انشغالها بدعم المنتخب أو متابعة مشاريع تطوير الكرة العراقية.
ليس من مصلحة الكرة العراقية أن يعيش الشارع الرياضي في حالة استنفار دائم بسبب عناوين مثيرة أو تصريحات تصعيدية. فاللاعب، والمدرب، والإداري، وحتى الجمهور، يحتاجون إلى بيئة مستقرة تسمح بالعمل والتقييم الموضوعي، لا إلى منصات إعلامية تفتح معركة جديدة كل مساء.
وفي المقابل، فإن من الإنصاف التأكيد على أن الإعلام الرياضي العراقي يضم أيضاً أسماء مهنية مشهوداً لها بالاتزان والموضوعية، إعلاميين يختلفون مع المسؤولين عندما تستدعي المصلحة ذلك، ويشيدون بالإنجاز عندما يتحقق، دون مزايدات أو استعراض. هؤلاء يمثلون الصورة الحقيقية للإعلام الوطني المسؤول، ويستحقون كل الاحترام والتقدير.
إن الكرة العراقية مرت بسنوات صعبة، واليوم توجد محاولات لإعادة البناء والتطوير. قد تنجح هذه المحاولات أو تخفق، وهذا أمر طبيعي في أي مشروع رياضي، لكن الحكم عليها يجب أن يكون وفق النتائج والحقائق، لا وفق الانفعالات أو الرغبة في تسجيل المواقف.
النقد مسؤولية، والكلمة أمانة، والإعلام شريك في صناعة النجاح كما يمكن أن يكون سبباً في تعميق الإخفاق. وحين يتحول بعض مقدمي البرامج إلى صناع أزمات بدلاً من صناع وعي، فإنهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، يساهمون في إضعاف الثقة بالمنظومة الرياضية وإرباك الشارع الرياضي.
لست أكتب هذا دفاعاً عن أشخاص أو مؤسسات، وإنما دفاعاً عن العراق، وعن منتخب يحمل اسم العراق، وعن رياضة تستحق أن تجد إعلاماً يراقب ويحاسب وينتقد، لكن بعقلانية وإنصاف، لا بإثارة مستمرة تجعل من الشاشة معول هدم بدلاً من أن تكون منبراً للإصلاح.
