المقالات

نينوى تتسع للجميع.. الدخيل وإدارة المحافظة بعينٍ واحدةٍ متساوية

قلم رصاص

كمواطن موصلي يتابع ما يجري في نينوى، أعتقد أن تقييم أي مسؤول لا ينبغي أن يكون من خلال مقطع متداول أو موقف عابر، وإنما من خلال الصورة الأوسع: ماذا يفعل؟ وكيف يتعامل مع أبناء المحافظة؟ وهل ينظر إلى نينوى باعتبارها مساحة لجماعة واحدة، أم محافظة تجمع تحت سقفها مكونات وهويات متعددة؟

وهنا، فإن تجربة محافظ نينوى عبد القادر الدخيل تستحق التوقف عندها بهدوء، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والحساسيات التي كثيراً ما تُحمّل أي موقف أكثر مما يحتمل.

منذ توليه مسؤولية المحافظة، بدا واضحاً أن الدخيل يتعامل مع نينوى باعتبارها محافظة مكونات قبل أن تكون محافظة جغرافيا وإدارة؛ فالعرب، والكرد، والتركمان، والمسيحيون، والإيزيديون، والشبك، والكاكائيون، وغيرهم، ليسوا أرقاماً في خارطة انتخابية، بل أبناء محافظة واحدة، ولكل مكوّن خصوصيته وحقوقه ومخاوفه واحتياجاته.

وهذا المبدأ لم يبقَ مجرد عبارة إعلامية. ففي تصريحات سابقة له، أكد الدخيل صراحة أن التنوع القومي والديني والمذهبي في نينوى يمثل مصدر قوة للمحافظة، وأن وجود مختلف المكونات والأحزاب يجب أن يكون عاملاً في الإعمار والتنمية لا سبباً للصراع.

الشبك.. نموذج مهم في طريقة التعامل

ولعل المكوّن الشبكي يمثل واحداً من أكثر الملفات حساسية في نينوى، ليس فقط بسبب خصوصيته الاجتماعية والمذهبية، وإنما أيضاً بسبب موقعه الجغرافي وتشابك قضاياه مع ملفات سياسية وأمنية وإدارية معقدة.

لكن ما يلفت في خطاب الدخيل أنه لا يتعامل مع الشبك بوصفهم «ملفاً» منفصلاً عن نينوى، ولا يحاول اختزالهم في انتماء سياسي أو انتخابي محدد، بل يضعهم ضمن النسيج الطبيعي للمحافظة.

وهذا أمر مهم جداً؛ لأن الإنصاف الحقيقي للمكونات لا يعني تفضيل مكوّن على آخر، وإنما يعني أن يشعر الجميع بأن المحافظ ينظر إليهم بالميزان نفسه.

والأهم أن الدخيل نفسه تحدث بوضوح عن طبيعة نينوى المتنوعة، معدداً العرب والكرد والتركمان، والمسيحيين والإيزيديين، والشبك والكاكائيين، ومؤكداً أن هذا التنوع يفرض على المسؤول التعامل بمهنية وحرفية عالية، بعيداً عن المصالح الفئوية والحزبية.

من ألقوش إلى تلعفر.. المحافظة ليست الموصل وحدها

من يتابع نشاط المحافظ يجد أن الحضور الحكومي لم يكن محصوراً في مركز مدينة الموصل. فقد شهدت مناطق سهل نينوى زيارات ميدانية ومتابعة للاحتياجات الخدمية، ومنها زيارة ألقوش والاطلاع على واقعها الخدمي والتأكيد على دعم المكونات، ولا سيما المكوّن المسيحي.

كما امتدت المتابعة إلى تلعفر، حيث تفقد الدخيل مشاريع خدمية هناك ووجّه دائما بمتابعة استحصال الأموال اللازمة لإكمالها.

وهذه التفاصيل قد تبدو خدمية في ظاهرها، لكنها تحمل معنى أكبر: المحافظة لا تُدار من مركزها فقط، والمواطن لا ينبغي أن يحصل على حقه بحسب هويته أو المنطقة التي ينتمي إليها.

وفي هذا السياق، فإن متابعة المكتب الإعلامي للمحافظ تظهر نشاطاً متواصلاً في مناطق مختلفة، من المشاريع الخدمية إلى التعويضات والطرق والصحة والبنية التحتية، بما يعكس محاولة لتوسيع نطاق الخدمة الحكومية على مستوى المحافظة.

المسيحيون والإيزيديون.. احترام الخصوصية قبل كل شيء

في نينوى، لا يمكن الحديث عن الاستقرار من دون الحديث عن المسيحيين والإيزيديين. فهذان المكونان تعرضا لواحدة من أقسى صفحات المأساة التي عاشتها المحافظة خلال سنوات الإرهاب والنزوح.

ولهذا، فإن أي إدارة محلية مسؤولة يجب ألا تنظر إلى عودة هذه المكونات باعتبارها رقماً في ملف سكاني، بل باعتبارها جزءاً من استعادة روح نينوى نفسها.

وفي هذا الاتجاه، بحث الدخيل خلال زيارته إلى الولايات المتحدة سبل عودة المسيحيين إلى الموصل ومناطقهم الأصلية في سهل نينوى، مع التركيز على تعزيز التعايش السلمي وحماية النسيج المجتمعي المتنوع.

كما أن موقفه المعلن بشأن احترام مشاعر الإيزيديين والحفاظ على خصوصيات جميع مكونات نينوى يعكس فهماً مهماً لمعنى الإدارة في محافظة خرجت من حرب قاسية: ليس المطلوب من الناس أن يتشابهوا، بل أن يعيشوا متساوين.

وهذه برأيي، واحدة من أهم النقاط التي يجب أن تُحسب لأي مسؤول في نينوى.

الكرد أيضاً جزء من معادلة نينوى

أما التعامل مع المكوّن الكردي، فلا يبدو في خطاب الدخيل قائماً على الحساسية السياسية التي تحكم بعض الملفات بين بغداد وأربيل.

بل على العكس، أكد في أكثر من مناسبة أن العلاقة بين نينوى وإقليم كردستان تقوم على مصالح اجتماعية وأمنية واقتصادية مشتركة، وأن القرب الجغرافي والاجتماعي بين الجانبين يجعل التعاون والتنسيق ضرورة للحفاظ على الاستقرار.

وهذه نقطة جوهرية بالنسبة لمحافظة مثل نينوى؛ فالمسؤول الذي يريد إدارة المحافظة بعقلية الاستقطاب لن يستطيع بناء استقرار حقيقي، أما من يفهم طبيعتها المركبة فيدرك أن الكردي والتركماني والمسيحي والإيزيدي والشبكي والكاكائي والعربي جميعهم جزء من المعادلة النيناوية.

الإدارة العادلة لا تعني إرضاء الجميع

قد يختلف الناس مع الدخيل في مشروع، أو قرار، أو توقيت، أو طريقة إدارة ملف معين، وهذا طبيعي جداً في العمل الحكومي.

لكن الإنصاف يقتضي الفصل بين نقد الأداء وبين اتهام النوايا.

فالمحافظ ليس مطلوباً منه أن يكون فوق النقد، وإنما المطلوب أن يكون واضحاً في معيار تعامله مع الناس.

ومن يتابع خطاب الدخيل في السنوات الأخيرة يلاحظ تكرار فكرة أساسية: مصلحة المواطن والمحافظة ينبغي أن تتقدم على المصلحة الفئوية والحزبية. وهو ما قاله صراحة في حديثه عن تنوع نينوى، مشدداً على ضرورة الحفاظ على المكتسبات التي تحققت بعد عودة الحياة إلى المحافظة.

وهذا الكلام، بالنسبة لي كمواطن موصلي، أهم من أي صورة أو فيديو.

نينوى لا تحتاج محافظاً لمكوّن واحد

المشكلة في نينوى ليست في تنوعها، بل في الطريقة التي يمكن أن يُستغل بها هذا التنوع.

فإذا تحول العربي إلى خصم للكردي، أو المسلم إلى خصم للمسيحي، أو الإيزيدي إلى مجرد عنوان سياسي، أو الشبكي إلى ورقة انتخابية، فإن المحافظة ستبقى أسيرة الانقسام.

أما إذا تعاملت الإدارة المحلية مع الجميع على أساس المواطنة والخدمة والحقوق، فإن التنوع يتحول من عبء إلى قوة.

وهنا يمكن فهم جانب مهم من تجربة عبد القادر الدخيل: محاولة تقديم نفسه كمحافظ لنينوى كلها، لا محافظاً لمكوّن بعينه.

قد ينجح في بعض الملفات ويحتاج إلى مزيد من العمل في ملفات أخرى، وقد نتفق معه في موقف ونختلف في آخر، لكن من غير المنصف تجاهل مسار واضح في التعامل مع مكونات المحافظة كافة.

والأهم أن أبناء نينوى يريدون حكومة محلية تنصفهم، تحمي خصوصياتهم، توفر الخدمات لمناطقهم، وتتعامل معهم باعتبارهم مواطنين متساوين.

هذه هي نينوى التي نريدها: لا غالب فيها ولا مغلوب، لا مكوّن أول ولا مكوّن ثانٍ؛ بل محافظة واحدة، متعددة الوجوه، يجمعها حق واحد في الدولة والخدمة والكرامة.

وربما هنا تحديداً تكمن قيمة تجربة الدخيل: أن يكون الاختلاف بين مكونات نينوى جزءاً من هويتها، لا سبباً لتقسيمها.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *