عبدالله النجيفي
في كل مدينة تقريبًا جملة تتكرر أكثر مما ينبغي: «لو كان فلان موجودًا، لانتهى الأمر خلال ساعة». تُقال في المكاتب وفي البيوت وفي مجالس الانتظار، ويوافق عليها الحاضرون بهزّة رأس. لكن السؤال الذي لا نطرحه أبدًا هو: ولماذا يحتاج الأمر إلى فلان أصلًا؟
في غرفة صغيرة، يجتمع خمسة أو ستة حول مسألة تعطلت: ورقة تنتظر منذ شهر، أو شحنة واقفة في مستودع، أو مشروع توقف عند خطوة واحدة. يتبادلون التفسيرات، ثم يقولها أحدهم. يوافقه الجميع، ويمضي الحديث إلى غيره.
وقد قيلت بإعجاب لا بشكوى، وهذا هو المثير للانتباه فيها. لقد صار من البديهي أن تُحلّ الأمور بالأشخاص، حتى إن ذكر ذلك لم يعد يستوقف أحدًا.
ونحن نميل إلى قراءة هذا الميل بوصفه عيبًا في الناس: يحبون السلطة، أو يبحثون عن الزعيم، أو لا يؤمنون بالنظام. وهذا تفسير مريح لكنه غير دقيق. الناس لا يثقون بالأشخاص حبًا فيهم، بل لأن الثقة في جوهرها لا تُمنح للنوايا، تُمنح لما يمكن التنبؤ به. والمؤسسة التي لا يعرف المراجع متى ستنتهي معاملته فيها، ولا لماذا انتهت معاملة جاره أسرع، ليست بطيئة فحسب؛ إنها غير قابلة للتوقع. أما الشخص فيمكن التنبؤ به: يقول نعم أو لا، اليوم، وبوجه واضح.
ومن هنا يبدأ الفارق. المؤسسة تقدّم للمواطن وعدًا مكتوبًا، والشخص يقدّم له تجربة يتذكرها. والتجربة تغلب الوعد دائمًا في حساب الإنسان العادي. ولهذا فإن من يفضّل الطريق الشخصي ليس ساذجًا ولا مستهترًا بالنظام؛ إنه يتصرف بمنطق سليم في ظرف ناقص.
ثم تبدأ دائرة هادئة، لا يقصدها أحد ولا يشعر بها أحد. كلما ضعفت المؤسسة، لجأ الناس إلى الأشخاص. وكلما لجأوا إلى الأشخاص، ضعفت المؤسسة أكثر. والسبب أن المشكلات التي تُحلّ خارج النظام لا تصل إليه أصلًا؛ فلا يعرف أين خلله ولا كم من الناس تعثروا عنده. المؤسسة تتعلم من شكاوى الناس، ومن يجد حلًا في مكان آخر لا يشتكي. فيبقى الخلل في مكانه، مغطّى بالحلول الفردية، حتى يصير جزءًا من طبيعة المكان.
والأخطر في هذه الدائرة أنها تقلب الحوافز رأسًا على عقب. فالموظف الذي يطبّق الإجراء كما هو يبدو في نظر الناس معقّدًا ومعطِّلًا، ومن يتجاوزه يبدو منقذًا محبوبًا. وبين هاتين الصورتين يتعلم العاملون درسًا صامتًا: لا تبادر، ولا تتحمّل، ولا تصدر قرارًا يمكن أن تنقضه مكالمة. وهكذا تخسر المؤسسة أثمن ما فيها، وهو من يحمل المسؤولية طوعًا، فتصير مكانًا ينتظر فيه الجميع من يقول لهم ماذا يفعلون.
ولهذا فإن ما نسميه «الرجل القوي» ليس في الغالب سبب المشكلة، بل نتيجتها. كثير من هؤلاء يعملون بحسن نية، ويسدّون فراغًا حقيقيًا، وينقذون معاملات كانت ستضيع. المسألة ليست في أخلاقهم، بل في أن الحل الذي يقدمونه لا يترك أثرًا خلفه. الرجل القوي يختصر الطريق، لكنه لا يبني طريقًا. وحين يتكرر الاختصار سنوات، ينسى الناس أن هناك طريقًا أصلًا.
والفرق بين الاختصار والبناء فرق في الزمن قبل أن يكون في النتيجة. الاختصار يحلّ مشكلة اليوم لصاحبها وحده، ثم تعود المشكلة نفسها غدًا لرجل آخر لا يعرف أحدًا، فينتظر بدوره من يختصر له. أما النظام فيحلّها مرة واحدة، ويحلّها لمن لا نعرفهم ولن نلتقيهم. ولهذا يبدو الاختصار دائمًا أنجح مما هو: أثره فوري ومرئي وله اسم يُشكر، وأثر النظام بطيء ولا يُنسب إلى أحد.
بل إن هذا الرجل نفسه يدفع ثمنًا لا يراه أحد. فمع الوقت يصير أسير دوره: لا يستطيع أن يغيب، ولا أن يعتذر، ولا أن يقول إن هذا ليس اختصاصه. تتحول أيامه إلى مكالمات لا تنتهي، ويصير مسؤولًا في نظر الناس عن كل ما تعطّل، حتى ما لا يملك فيه شيئًا. الاعتماد المفرط على شخص يرهقه كما يُضعف المكان.
والصور مألوفة في كل مكان تقريبًا. شركة لا يُتخذ فيها قرار إلا بحضور المدير، فإذا سافر توقفت أيامًا. دائرة تتعطل أعمالها كلها بغياب موظف واحد يعرف وحده كيف تسير الأمور. مشروع جاهز من كل وجه، ينتظر توقيع شخص بعينه لا ينوب عنه أحد. والخلل هنا ليس في هؤلاء الأشخاص؛ بعضهم من أكفأ من في المكان. الخلل أن ما يعرفونه بقي في رؤوسهم ولم يتحول إلى إجراء مكتوب، وأن صلاحياتهم لم تُوزَّع، وأن غيابهم لم يُحسب له حساب. والمؤسسة التي تتوقف بغياب رجل واحد ليست مؤسسة، بل مكتب يعمل حوله.
وللمسألة طرف آخر يقلّ الحديث عنه. فليس المجتمع وحده من يعتاد الاعتماد على الأشخاص؛ الأشخاص أنفسهم يعتادون أن تمر التفاصيل كلها عبرهم. ويبدأ الأمر بحسن نية في الغالب: مسؤول يريد أن يطمئن، أو يخشى خطأ يقع في غيابه، أو يرى أن لا أحد سيتقن العمل مثله. ثم تتحول العادة مع الوقت إلى شعور مريح بالأهمية؛ فأن يُحتاج إليك في كل صغيرة إحساس يصعب التخلي عنه. لكن كثرة ما لا يُنجَز إلا بحضور رجل ليست دليلًا على قيمته بقدر ما هي دليل على أن المكان لم يتعلم بعد كيف يعمل من دونه. ولا يُقال هذا إدانةً لأحد؛ فالنية الحسنة هنا حقيقية، لكن أثرها التراكمي أن تبقى المؤسسة أصغر من عمرها.
وخلف هذا كله حاجة نفسية بسيطة: الإنسان يحتمل الانتظار، لكنه لا يحتمل الغموض. من يعرف أن معاملته ستأخذ شهرًا يرتّب حياته على هذا الأساس؛ أما من لا يعرف متى ولا لماذا، فيعيش في قلق يومي يستنزفه أكثر من التأخير نفسه. ولهذا يفضّل كثيرون جوابًا حاسمًا بالرفض على وعدٍ مفتوح. وهذا ما يمنحه الشخص ولا تمنحه المؤسسة غير المنظمة: اليقين، ولو كان يقينًا صغيرًا.
لكن هذا الحل، مهما بدا ناجحًا، مؤقت بطبيعته. الأشخاص يرحلون: ينتقلون، ويتقاعدون، ويتغيرون. وحين يذهب أحدهم تكتشف المؤسسة أنها لم تراكم شيئًا في السنوات التي كان فيها؛ لا إجراء مكتوبًا، ولا خبرة منقولة، ولا من يعرف لماذا اتُّخذ قرار قبل خمس سنوات. تبدأ من الصفر، وتنتظر رجلًا آخر. والمجتمعات التي تنتظر الأشخاص تعيش دائمًا في ما بين اثنين: واحد رحل، وآخر لم يأتِ بعد.
ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى القيادة نفسه. اعتدنا أن نقيس المسؤول بعدد المشكلات التي حلّها بنفسه. وهذا مقياس يكافئ الحضور ويعاقب البناء. أما القائد بالمعنى الأعمق فهو من يُقاس بمقدار ما يمكن أن يُستغنى عنه: من يترك خلفه إجراءات واضحة، وصلاحيات موزعة، وأشخاصًا مدرَّبين على أن يقرروا. وهذا أصعب أنواع النجاح، لأنه لا يُرى ولا يُشكر عليه أحد؛ فالمؤسسة التي تسير بهدوء لا يتحدث عنها الناس، ولا يقول أحد فيها: «لو كان فلان موجودًا».
في تلك الغرفة الصغيرة، لم يكن أحد مخطئًا حين قالها. الرجل الذي ذُكر اسمه ربما كان فعلًا سيُنهي الأمر في ساعة. لكن السؤال الذي لم يُطرح هو الأهم: لماذا نبحث دائمًا عن شخص يحلّ المشكلة، بدل أن نبني نظامًا يمنع تكرارها؟ الأول يريحنا اليوم، والثاني يريح من يأتي بعدنا.
لا تُقاس قوة أي بلد بعدد الرجال الأقوياء فيه، بل بعدد المؤسسات التي تواصل عملها بالكفاءة نفسها حين يغيب أقوى رجالها. فالأشخاص يصنعون الإنجازات، لكن المؤسسات وحدها تجعل الإنجاز قابلًا للتكرار بعد أن يمضي صاحبه.
