عمر النعمة
عنوان القصيدة يحمل من أوله نبرة ساخرة وناقدة؛ فالصراف لا يقول (إلى الشعراء)، وإنما قال: (إلى الذين يدّعون الشعر). وثمة فرق بين التعبيرين جوهري؛ إذ القصيدة ستعقد طوال مسارها مقابلة بين الشعر بوصفه موهبة وإبداعاً، وبين ادعاء الشعر بوصفه مظهراً أو لقباً.
أما مقصده (وهم كثير في زمننا هذا) فيعني أن يوسع دائرة الهجاء، فلا يبدو الشاعر معنياً بشخص واحد، بل بظاهرة ثقافية يراها منتشرة في زمانه.
وأبرز ما يلفت في القصيدة أنها تجمع بين مدح الأنا وذم الآخر.
فمبدعنا لا يكتفي بأن يقول إن الآخرين ضعفاء، وإنما يقدم صورة مضادة لنفسه ولشعره حين يقول:
عصيٌّ شاسعُ الأبعادِ شعري… على الآبادِ مفتوحُ الجهاتِ
وهنا يتحول النص إلى كيان واسع، عصيّ على الاحتواء، ممتد زماناً ومكاناً.
في المقابل، يصف الذين يناصبونه العداء أو يدّعون الشعر بعبارات تهمشهم:
وتنتحلونَ أنساباً تسامتْ… ولستم غيرَ أبناءِ اللواتي
ونحن ها هنا أمام ثنائية مركزية:
الشاعر الحقيقي بمقابل مدّعي الشعر، ثم الأصيل والمنتحل وبينهما صراع البقاء والزوال انتهاءا بالشعر والادعاء. وهذه الثنائية هي التي تحرك القصيدة بأكملها.
يفتتح الشاعر بقوله:
جعلتُ من العَصى ناياً شجياً… وحررتُ القطيعَ من الرعاةِ
وهذه من أجمل المطالع من الناحية الدلالية؛ لأن العصا أصلها: أداة جامدة، لكن الشاعر يحولها إلى ناي موسيقية. وهذه الصورة يمكن قراءتها بوصفها استعارة لدور الشاعر: حين يحول الجامد إلى جمال، والصمت إلى صوت.
ثم يقول:
وحررتُ القطيعَ من الرعاةِ.
وهنا انتقالة من صناعة الجمال إلى صناعة التحرر، فيقدم الشاعر نفسه بوصفه صاحب فعل وتأثير، لا مجرد صاحب كلام.
فما للكأسِ تعرضُ عن مُدامي… وتختبئُ المنائرُ من صلاتي
وهي أسئلة لا تنتظر جواباً بقدر ما تؤسس لحالة من الغرابة والمفارقة. فالكأس تعرض عنه، والمنائر المعلنة الصلاة تختبئ من صلاته
وهي بداية تكشف أن الشاعر يريد للقارئ أن يدخل عالمه لا عبر المعنى المباشر، بل عبر الدهشة والتناقض.
وما للشعرِ أطلبُهُ ويأبى… وكانَ ولستُ أطلبُهُ يُواتي
فالشعر عند الصراف ليس شيئاً يُستدعى بالأمر، ولا صنعة يستطيع الإنسان أن يمارسها متى شاء. بل شيء له حضوره المستقل وإرادته المجازية. وهنا يظهر الفرق بين الشاعر الحقيقي وبين مدّعي الشعر:
فالمدّعي يبحث عن الشعر ليقول شيئاً، بينما الشاعر الحقيقي يأتيه الشعر فيفيض منه.
يفرُّ العطرُ من وردي ويمضي… إلى جهةِ القفارِ العاهراتِ
العطر رمز للجمال الشعري، لكنه لا يستقر بالضرورة حيث ينبغي له؛ وكأن العالم الذي يعيش فيه الشاعر لم يعد قادراً على استقبال الجمال.
لكلِّ زوجةٍ في فلكِ نوحٍ… ووحدي في العبابِ أنا وذاتي
هذه الصورة المستدعية سفينة نوح، بما تحمله من دلالة النجاة والجماعة، هي ذاتها التي تضع نفسه خارج هذا السياق: ومعزولا: الجميع يجد زوجاً، أما هو فوحيد في البحر، لا يرافق إلا ذاته. وهذه الوحدة ليست بالضرورة ضعفاً؛ بل تتحول لاحقاً إلى مصدر قوة. فالشاعر الحقيقي، وفقاً لمنطق القصيدة، قد يجد نفسه وحيداً لأنه لا يستطيع أن يشبه الآخرين.
ومن الصور اللافتة:
تمرُّ الريحُ تلوَ الريحِ حيرى… وتحكي للمدائنِ عن ثباتي.
المفارقة الجميلة هنا: أن الريح هي التي تتحير، وليس الشاعر. بل إن الريح، التي يفترض أن تكون قوة مؤثرة، تصبح شاهدة على ثباته.
وهذا المعنى يتكرر في:
وتستلحُّ الرياحُ على جذوري… وتختصبُ الوحوشُ على رفاتي
فالجذور أصبحت رمزاً للأصالة والرسوخ، بينما الرياح والوحوش تمثل قوى الاقتلاع والافتراس. ومع هذا فالشاعر لا يقدم نفسه ككائن يخشى الموت أو الفناء، بل كشيء يستمر حتى بعد الرفات.
أنا ما زلتُ مثلَ الأمسِ غضّاً… ولم أهرمْ وإن هرمتْ لداتي
فالزمن يهرم الأشياء، لكنه لا يستطيع أن يهرم التجربة الشعرية. وهذه الفكرة تبلغ ذروتها في المقطع الأخير:
أنا رغمَ الضبابِ زجاجُ عمري… يشفُّ عن العصورِ القادماتِ
فالزجاج هنا ليس مجرد مادة، بل هي شفافية الزمن؛ لأن الشاعر يرى من خلال عمره ما وراء اللحظة الراهنة.
ثم يقول:
يحلُّ الدهرُ في يومي فأحيا… عصورَ الدهرِ من ماضٍ وآتِ
وهذا من المفاتيح المهمة في فهم شخصية الشاعر داخل القصيدة. إنه لا يعيش في زمن واحد؛ وإنما يحمل الماضي والحاضر والمستقبل معاً.
عصيٌّ شاسعُ الأبعادِ شعري… على الآبادِ مفتوحُ الجهاتِ
يمثل هذا النص، في تقديري المتواضع، قلب القصيدة وبيانها الشعري. الأول والأخير.
فالشعر ليس مجرد أبيات، بل قوة تتجاوز الحدود: لا تحده الجهات ولا الأزمنة، ويتصل بالغيب، مخترقاً الصوامع، واصلاً إلى المراقد والمضاجع.
يترجمُ عن لغاتِ الغيبِ قولاً… ثقيلاً فوقَ مقدورِ اللغاتِ
وهذه صورة ترفع وظيفة الشعر من التعبير عن الواقع إلى محاولة التعبير عن ما تعجز اللغة نفسها عن التعبير عنه. وفي مثل هذه الحالة يصبح الشاعر أشبه بوسيط بين العالم المرئي وعالم الغيب.
من أجمل الصور في القصيدة:
ويبرقُ في الصوامعِ للتُّقاةِ… ويُكمدُ في المضاجعِ للطغاةِ
وعلى ما يبدو فهنا الشعر ليس محايداً، بل إنه: نور للتقاة، وألم للطغاة.
ثم يقول:
ويصبحُ كلُّ حرفٍ منه يُتلى… عصاً لقفت عصيِّ الإمعاتِ
وهنا تعود العصا التي ظهرت في بداية القصيدة: التي جعلتُ من العصى ناياً شجياً لتتحول في موضع آخر إلى سلاح شعري.
وعلى الرغم من أن القصيدة موجهة إلى مدّعي الشعر، فإن الشاعر لا يعتمد على الشتيمة المباشرة، بل يستخدم التعريض والسخرية والمفارقة.
ومن أقوى مواضع الهجاء:
وتنتحلونَ أنساباً تسامتْ… ولستم غيرَ أبناءِ اللواتي
وهنا لا يناقش قصائدهم أو أخطاءهم الفنية بالتفصيل، بل يضرب فكرة الانتحال والادعاء. وكأن الرسالة: من لا يملك الشعر يحاول أن ينتسب إليه.
وهذا يجعل الهجاء في القصيدة هجاءً أدبياً وثقافياً، وليس مجرد خصومة شخصية.
وفي نهاية القصيدة يصل الصراع إلى ذروته:
وها أنتم وما حانتْ أذعتم… بأني اليومَ قد حانتْ وفاتي
ثم:
فيا لغبائكم أحسبتموني… أموتُ إذا انتهتْ حقاً حياتي
ربما يظن الخصوم أن موت الشاعر يعني انتهاءه، لكنه في المقابل يرى أن حياته الجسدية شيء، وحياة شعره شيء آخر.
ولهذا يختم بقوله:
ألا ويلٌ لكم ما عشتُ منها… وويلٌ ثم ويلٌ من مماتي
وهذه الخاتمة قوية لأنها لا تنهي القصيدة بالاستسلام للموت، وإنما تحول الموت إلى تهديد رمزي للخصوم.
وكأنه يقول:
إذا كان وجودي حاضراً يزعجكم، فانتظروا ماذا سيفعل شعري بعد غيابي.
وأخيراً: فالنص مخدوم باللغة مختلط التركيبات، منسجم الإيقاع، يتجاوز حدود المتوقع، ويسافر بك بين الابداع وضده.
لا عجب في كل هذا فوليد الصراف هو قائله وكفى.

