عمر النعمة
لا اعرف صاحب القصيدة شخصياً ومن أرشدني اليه أخي الحبيب الشاعر نذير الصميدعي بعد نص ارسلته إليه كنت أشك أنه القائل وتبين أنه الشاعر كوكب الزاباتي. القصيدة لا تُقرأ بقدر ما تعيشها الروح. هي تأتي من منطقة مجهولة بين الذاكرة وعدمها، بين ما حدث وما لم يحدث، وهي تترك في دواخلنا ظلاً لا يشبه الكلمات التي مرت أمام العينين.
وقصيدة (مآذن عند شطآن التجلي) واحدة من هذه القصائد؛ لا تكتفي بأن تقول شيئاً، بل تحاول استعادة شيء ضائع: طفولة، وامرأة، وقد يكون وطن، وربما الذات التي أرهقها الطريق وهي تبحث عن نافذة صغيرة للبهجة.
منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام مشهد تتجاور فيه مقامات التجلي. فالمئذنة ليست حجراً والشطآن ليست حدوداً والتجلي ليس لحظة عابرة؛ إنما هي مفردات ثلاث تفتح القصيدة على أفق روحي تتداخل فيه الأرض بالسماء، والديني بالإنساني، والمرئي بالمخفي.
ثم تأتي الصورة الأولى:
وقمح حول قبرة تصلي.
فتبدو الطبيعة داخلة في صلاة صامتة. والقمح، بما يحمله من دلالة الحياة والعطاء، يحيط بالقبرة التي ترتفع بصوتها نحو السماء. لا يعود الغناء غناءً، ولا الصلاة صلاةً بالمعنى المألوف؛ كلاهما يتحولان إلى لغة واحدة، لغة تبحث عن شيء أعلى من الكلام.
فراشات يعمدها جمال… بأزهار الأناقة والتحلي
الجمال في هذه القصيدة ليس زينة خارجية، بل طقس تطهير. الفراشة، رمز الالتصاق بالتحول والخفة، وتصبح أشبه بكائن يُعمَّد بالجمال. وكأن الشاعر يريد أن يقول إن الأشياء لا تستحق الحياة إلا حين تمر من بوابة الجمال.
لكن هذه الخفة لا تستمر طويلاً؛ فالحياة عند الشاعر لا تطير إلا وهي تحمل ثقلها معها:
تطير بنا الحياة على جناح… وتأسرنا عذابات التخلي.
يا لها من مفارقة موجعة!
الحياة جناح، وهي تمنحنا القدرة على التحليق، ثم يكون الربط الروحي بما نفقده. ولعل كلمة (التخلي) من أكثر الكلمات كثافة في هذا النص؛ لأنها لا تشير إلى فقدان الأشياء، بل إلى تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطراً لأن يترك وراءه شيئاً من نفسه.
ومن هنا يبدأ الحزن في القصيدة بالظهور لا بوصفه انفعالاً طارئاً، بل باعتباره موسيقى داخلية:
وسرب من طيور الشوق غنت… مواويلا من الأشجان حولي.
الشوق هنا ليس شعوراً انعزالياً، بل سرب. طيور كثيرة تحلق في فضاء الذاكرة، وكل طائر منها يحمل موالاً. وكأن الشاعر محاصر بأصوات لا يستطيع إسكاتها؛ أصوات من غابوا، والأمكنة المبتعدة، والأشياء غير المكتملة.
ثم يصل النص واحدة من أجمل صوره حين يقول:
أنا بجزيرة الأحلام بحر… وغير قوارب النايات من لي.
إنها عزلة الشاعر، لكنها غير خالية من الجمال. هو في جزيرة، غير أن البحر ليس حوله وحده؛ بل الأحلام نفسها صارت بحراً، ولم يبقَ له سوى قوارب النايات.
فالناي ليس مجرد آلة موسيقية، وإنما قارب يعبر به الشاعر بحر الوحدة. وكأن الموسيقى، مثل الشعر، لا تنقذ الإنسان من غربته، لكنها تمنحه طريقة أجمل للسفر داخلها.
غير أن هذه الجزيرة الحالمة ليست منفصلة عن العراق. فجأة تنفتح القصيدة على جرحها الأكبر:
ولدت على شظايا الموت طفلاً… عراقياً فصار الحزن شكلي.
هنا تسقط الزخارف الجميلة كلها، ويبقى الجرح.
لأن العراق ها هنا ليس اسماً جغرافياً؛ إنه تجربة وجدانية كاملة. أن يولد الطفل على شظايا الموت يعني أن الحرب لم تكن حدثاً خارجياً، بل صارت جزءاً من تكوين الذاكرة. ولذلك لا يقول الشاعر إن الحزن رافقه، بل يقول:
فصار الحزن شكلي.
وهذه العبارة وحدها تكفي لتختصر سيرة كاملة.
فالإنسان الذي ينشأ في بلاد كثيرة الموت لا يحمل الحزن في داخله فقط؛ أحياناً يصبح الحزن ملمحاً له في نبرته، طريقته في النظر إلى الأشياء، وربما طريقته في الحب أيضاً.
ولذلك تأتي محاولة استعادة البهجة في الأبيات التالية وكأنها محاولة لاسترداد طفل عراقي قديم:
الملم بهجة الأشياء وحدي… أناجيها وما أصغت لقولي.
الشاعر هنا لا يملك العالم، وإنما يلمّ بقاياه. يجمع البهجة كما يجمع المرء شظايا مرآة مكسورة، علّه يستطيع أن يرى فيها وجهه الأول.
وهذه الوحدة ليست وحدة المكان فقط، وإنما وحدة الإنسان الذي يتحدث كثيراً إلى الأشياء لأنها ربما تكون أرحم من البشر، ثم يكتشف أنها هي الأخرى لا تجيب.
صبياً جئت أبحث عن فتاة… تفزز بانفتاح الخند عقلي.
المرأة في المخيلة ليست حبيبة. قد تكون احتمالاً للخلاص، ونافذة للخروج من حصار الحزن. وهي تأتي من منطقة الطفولة، من ذلك الزمن الذي كان فيه الحب حلماً قبل أن يصبح تجربة، وكانت المرأة صورة أولى للدهشة.
كأن بشعرها الوهاج سحراً… يعيد البهجة الكبرى بحقلي.
إنها لا تدخل الحقل لتكون امرأة وحسب؛ إنها تعيد إليه الربيع.
والشعر الوهاج هنا يتحول إلى طاقة سحرية قادرة على استعادة ما فقده الشاعر من فرح. فالمرأة ليست موضوعاً للحب وكفى، بل تصبح لغة أخرى للحياة.
وحين يقول:
أمد يدي لعل الغيم يرضى… بنافذتي لأبحر بالتسلي.
تصل القصيدة إلى ذروتها.
الشاعر يمد يده إلى الغيم، كأنه يطلب من السماء أن تفتح له نافذة. إنه لا يريد معجزة كبرى؛ يريد فقط منفذاً صغيراً يستطيع من خلاله أن يبحر بعيداً عن واقعه.
واللافت أن الشاعر لا يقول (السعادة)، وإنما يقول (التسلي). وهذه الكلمة أكثر تواضعاً وأكثر وجعاً. فمن كثرت أحزانه لا يطلب الفرح الكامل؛ يكفيه شيء يخفف وطأة الأيام.
ثم يبلغ الحب درجة من الصوفية حين يقول:
أنا درويشها الأحلى سأبقى… أصوغ لأجلها عشقاً لأجلي.
في هذا النص يتجاوز الحب مفهوم الامتلاك. الشاعر يصبح درويشاً، والدرويش لا يملك محبوبه؛ بل يدور حوله كما يدور الصوفي حول معنى لا يستطيع القبض عليه.
والأجمل أن الشاعر يعترف:
أصوغ لأجلها عشقاً لأجلي.
فهو يكتب لها، لكنه في الحقيقة يكتب لنفسه. يحبها، لكنه من خلال حبها يحاول أن يعثر على ذاته التي أضاعتها السنوات.
وهكذا تصبح المرأة مرآة للشاعر، ويصبح الحب طريقة لاكتشاف الذات.
أفتش في المدى بأداة شعر… عن امرأة تبعثر كل غزلي.
وهنا المفارقة الأجمل.
الشاعر الذي يمتلك الشعر، والذي يستطيع صياغة الحب بالكلمات، يبحث عن كائن تعجز كلماته عن وصفه. إنه يريد امرأة تهزم اللغة، لأن أجمل ما في الحب، ربما، هو أن يصل الإنسان إلى لحظة يعجز فيها الشعر عن الإحاطة بالمحبوب.
إنه لا يبحث عن امرأة تمدحها القصيدة، بل عن امرأة تبعثر القصيدة نفسها.
وهذه النهاية تعيدنا إلى جوهر النص كله: الشاعر لا يبحث عن امرأة وحسب، ولا عن حب وحسب، وإنما يبحث عن دهشة قادرة على إنقاذه من الاعتياد والحزن.
وأخيرا..
تبقى المآذن واقفة عند شطآن التجلي، ويبقى القمح حول القبرة، وتبقى الفراشات تمارس طقسها السري في حدائق الجمال، ويبقى الشاعر، ذلك الطفل العراقي الذي ولد على شظايا الموت، يفتش في المدى عن امرأة واحدة فقط.
