المقالات

قبل أن نتكلم.. هل نفكر بما نقول؟

نينوى الغدـ بقلم رصاص

في الحياة العامة، لا تُقاس الكلمات بعدد حروفها، بل بما تتركه من أثر في عقول الناس. وحين تصدر التصريحات من شخصيات سياسية أو مسؤولي دولة أو ممثلي الشعب، فإن مسؤولية الكلمة تصبح أكبر وأثقل، لأنها لا تعبر عن صاحبها فقط، بل تؤثر في ثقافة المجتمع ونظرته إلى الدولة ومؤسساتها.

من هنا تبدو بعض العبارات التي تُطلق على عواهنها مثيرة للتساؤل، ومن بينها القول: “أنا أعلى من المنصب”. فمهما كانت النوايا وراء هذه العبارة، فإنها تحمل في ظاهرها معنى لا ينسجم مع فلسفة الدولة الحديثة التي تقوم على احترام المؤسسات لا الأشخاص، وعلى أن المنصب العام ليس ملكًا لأحد، بل هو تكليف مؤقت لخدمة الناس.

في الدول الراسخة، تبقى المناصب وتتعاقب عليها الشخصيات، بينما تستمر الدولة بمؤسساتها وقوانينها. فلا أحد أكبر من المنصب الذي يشغله، لأن المنصب في جوهره يمثل إرادة الدولة وهيبتها وسلطتها القانونية. أما الأشخاص، مهما بلغت مكانتهم وشعبيتهم، فهم عابرون في مواقع المسؤولية.

ولعل أخطر ما في مثل هذه التصريحات أنها ترسخ ثقافة الفرد فوق المؤسسة، وهي الثقافة التي عانت منها مجتمعات كثيرة وأنتجت أزمات سياسية وإدارية متراكمة. فحين يقتنع المواطن بأن المسؤول أكبر من المنصب، يبدأ تدريجيًا بفقدان ثقته بالمؤسسة نفسها، ويتحول الولاء من الدولة إلى الأشخاص، ومن القانون إلى النفوذ.

إن المسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعلن علوّه على المنصب، بل يثبت قيمته من خلال إنجازه ونزاهته وقربه من الناس. فالتاريخ لا يتذكر من تحدثوا كثيرًا عن أنفسهم، بل يتذكر من تركوا أثرًا إيجابيًا في حياة المواطنين.

ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى المزيد من التصريحات المثيرة، بل إلى المزيد من الحكمة في الخطاب العام. فالكلمة التي تخرج من الفم لا يمكن استعادتها، وقد تفسر بغير ما أراد صاحبها. ولهذا كان السلف يقولون: “تكلموا تعرفوا”، لأن الكلمات تكشف ما في العقول أكثر مما تخفيه.

إن احترام المنصب هو احترام للدولة، واحترام الدولة هو احترام للمواطن. وكلما ارتقى الخطاب السياسي وتحرر من عبارات التعالي والمبالغة، اقتربنا أكثر من بناء ثقافة مؤسساتية تجعل القانون فوق الجميع، وتجعل المسؤول خادمًا للموقع لا متفوقًا عليه.

فليس المهم أن يكون الإنسان أعلى من المنصب، بل أن يكون بمستوى المسؤولية التي يحملها المنصب.

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *