عمر النعمة
لم يكن الصيف في نينوى هذا العام طبيعياً، ففي الوقت الذي كانت فيه العطلة تمتد على مساحة واسعة من أيام أبنائنا، كانت الحيرة تأخذهم ذات اليمين وذات الشمال، كان هناك من يفكر في أن يجعل من هذه الأيام فرصةً لشيء أبقى من العشوائية، وأروع من الفراغ؛ فرصةً لأن يلتقي الفتى بمسجده، وأن تلتقي الطفولة بالقيمة، وأن يجد الشاب في المكان الذي يرتاده مساحةً للصداقة والمشاركة والفرح والانتماء.
من هنا جاءت فكرة (جيل القيم).
فكرة تبدو لأول وهلة سلسلة من المبادرات، لكنها في حقيقتها محاولة للإجابة عن سؤال يشغلنا جميعاً: كيف نعيد بناء الثقة بين الشباب والمساجد؟
والإجابة لم تكن هذه المرة من الكتب وحدها، ولا من المنابر، بل جاءت من الميدان؛ من الدراجة التي يقودها فتىً فرحاً، ومن مباراة بكرة القدم تجمع أبناء مسجدين، ومن دورة صيفية يلتقي فيها عشرات الفتيان، ومن يدٍ تمتد لتكافئ، ومن ابتسامة طفل يشعر للمرة الأولى أن للمسجد مكاناً خاصاً في قلبه.
فتيان الفجر.. حين يبدأ النهار من المسجد
كان ثمة رسالة تقول: إن الفجر يمكن أن يكون بدايةً لعلاقة جميلة بين الفتى والمسجد، وإن من يخطو خطواته الأولى نحو المسجد في الصباح، قد يحمل معه إلى داره شيئاً من نور ذلك المكان.
ثم جاءت مبادرة (فتيان الثبات) لتقول: إن العلاقة مع القرآن الكريم وتحديداً سورة يوسف حفظاً وتفسيراً تجعلنا ننتقل من ترديد مجرد الى فهم عميق يتصل بواقعنا.
وجاءت (فتيات النور) لتفتح للفتاة مساحةً من المشاركة والعطاء والتفاعل، وكان اختيار حفظ سورة النور مع بعض معانيها دقيقاً لارتباطها بالاحكام المتعلقة بالفتاة ورسم طريقها في الحياة.
أما (المسجد الحي)، فكان الاسم بحد ذاته حكاية.
فالمسجد الحي ليس بنياناً فحسب؛ بل هو الذي يعرف أبناءه، ويعرف أحلامهم، ويفرح لنجاحهم، ويفتح أبوابه لمواهبهم، ويشعرهم أنهم ليسوا ضيوفاً فيه، بل أبناءٌ له.
وحين دخلت الرياضة إلى الحكاية.
كانت (بطولة المساجد) بمشاركة أكثر من مائة فريق، وهي واحدة من أجمل صور تحويل المنافسة إلى لقاء.
كرةٌ تتحرك في الملعب، وقلوبٌ تتقارب في المدرجات، وفتيان يتنافسون، ويمرحون في أجواء محبة والفة.
وهكذا يمكن للرياضة أن تفعل ما لا تستطيع الكلمات وحدها أن تفعله؛ أن تعلم الانضباط، وروح الفريق، وقبول الآخر، والفرح بالفوز، والقدرة على تقبل الخسارة.
ثم جاءت (أفضل دورة) لتمنح المعرفة مساحةً أخرى، وتقول إن الصيف ليس للنشاط الجسدي وحده، وإنما يمكن أن يكون موسماً للعقل والروح أيضاً.
أما (مسجدي جنتي)، فربما كان أكثر العناوين تعبيراً عن جوهر الفكرة كلها؛ أن يتحول المسجد في وجدان الطفل من مكان يزوره إلى مكان يحبه. وهذا ما لمسناه من نشاطات فردية وجماعية تنافس فيها الجميع خدمة لمنطقتهم وارتقاءً بأنفسهم وترويحاً عن ضغوط الحياة.
وهذه هي المسافة الحقيقية التي كان المشروع يحاول قطعها.
أرقام كبيرة.. لكن الحكاية أكبر.
عشرات الآلاف من الفتيان والفتيات شاركوا في هذه المبادرات.
ألف دراجة هوائية وأكثر وصلت أصحابها.
أكثر من مائة عمرة كانت هديةً وذكرىً لا تُنسى.
وهدايا مالية وعينية أخرى، وزعت على المشاركين، لتقول لهم إن جهدهم مقدر، وإن مشاركتهم لها قيمة.
لكن، إذا أردنا أن نقرأ الأرقام بعيداً عن لغة الإحصاء، فعلينا أن نتخيلها بصورة أخرى:
تخيلوا آلاف الوجوه الصغيرة وهي تدخل أبواب المساجد.
آلاف الأقدام وهي تتجه إلى مكان واحد.
آلاف الأصدقاء الذين تعرفوا إلى بعضهم.
آلاف الذكريات التي ستبقى في ذاكرة جيل كامل.
هنا تصبح الألف دراجة أكثر من ألف دراجة…
وتصبح مائة عمرة أكثر من مائة رحلة…
وتصبح الجوائز والهدايا أكثر من أشياء تُسلَّم إلى أصحابها.
إنها رسائل تقول للفتى: أنت مهم. مشاركتك مهمة. وجودك مهم.
ثم جاء الختام الكبير.
حفلٌ حضره أكثر من 15 ألف شخص.
خمسة عشر ألفاً اجتمعوا في مشهد واحد، لا ليشاهدوا حفلاً فحسب، وإنما ليحتفوا بفكرة امتدت خلال الصيف، وبأبناءٍ وجدوا في المساجد مساحةً للحياة، وبجهدٍ أراد أن يقول إن بناء الإنسان يمكن أن يبدأ من أبسط الأشياء.
ذلك المشهد لم يكن مجرد نهاية لبرنامج.
كان أشبه برسالة جماعية تقول:
نحن نستطيع أن نصنع الفرح حين نعرف الطريق إلى أبنائنا.
لكن أجمل ما في الحكاية لم يحدث في يوم الحفل
أجمل ما في (جيل القيم) ربما لم يكن على خشبة المسرح.
كان في تلك اللحظة التي عاد فيها فتى إلى بيته وهو يقول لأهله:
(غداً عندنا نشاط في المسجد).
كان في صديقٍ جديد تعرّف إليه طفل.
كان في إمام مسجد اكتشف طاقةً شابةً كان يمكن أن تبقى بعيدة.
كان في أبٍ شعر أن ابنه أصبح أكثر تعلقاً بمكانٍ يخاف عليه ويطمئن إليه.
وكان في أمٍ رأت ابنتها تعود من نشاط امتحان حفظ سورة عبر (فتيات النور) وهي تحمل في عينيها شيئاً من الفرح والانتماء.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التحولات الكبيرة.
لا نريد صيفاً ينتهي بانتهاء الصيف
وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالعطلة انتهت، لكن السؤال الذي تركته تجربة (جيل القيم) ما زال مفتوحاً:
هل نستطيع أن نجعل هذا التواصل مستمراً؟
أن تبقى المساجد قريبةً من الشباب بعد انتهاء الصيف.
أن تستمر البطولات، والدورات، والمبادرات.
أن يجد الشاب في مسجده مكاناً للعلم والرياضة والصداقة والعمل التطوعي.
أن ننتقل من موسمٍ جميل إلى ثقافةٍ مستمرة.
فالأجيال لا تُبنى في موسم واحد، والقيم لا تُزرع في يوم واحد، والانتماء لا يصنعه احتفال واحد.
لكن أحياناً…
تكفي بداية جميلة.
جيل القيم.. بداية تستحق أن تكبر
لقد أثبتت التجربة أن الشباب حين نفتح لهم الأبواب، يدخلون.
وحين نثق بهم، يشاركون.
وحين نمنحهم مساحةً، يبدعون.
وحين نخاطبهم بلغة قريبة من حياتهم، يقتربون.
وهذا هو جوهر (جيل القيم).
لم يكن الهدف أن نملأ وقت الفتيان فحسب، وإنما أن نملأه بما يستحق؛ بالصحبة الطيبة، والرياضة، والمعرفة، والمنافسة الشريفة، والفرح، والعمل الجماعي، والأهم من ذلك كله: بالمعنى.
فالمسجد الذي يربّي جيلاً، لا يكتفي بأن يستقبل المصلين…
بل يصنع من المصلين أبناءً للمجتمع.
والمجتمع الذي يعرف كيف يحتضن شبابه، لا يخشى المستقبل.
لذلك، ربما يكون أجمل ما يمكن أن نقوله عن هذا الصيف:
إن المساجد لم تفتح أبوابها للفتيان فقط.
بل إن الفتيان هم الذين أعادوا إلى المساجد شيئاً من ضجيج الحياة، ودفء الصداقة، وابتسامة الطفولة.
وفي الموصل، المدينة التي تعرف جيداً معنى أن تعود الحياة من بين الركام، ربما كانت هذه المبادرات تقول لنا شيئاً بسيطاً وعميقاً:
إن أجمل ما يمكن أن نبنيه في مدينتنا هو ذلك الانسان الذي يحمل في قلبه قيمة، وفي عينيه أملاً، وفي خطاه طريقاً إلى الخير.
وهذا هو جيل القيم.
جيلٌ بدأ من المساجد…
لكن الأمل أن يمتد أثره إلى كل نينوى.
