نينوى الغد/ عمر النعمة
منذ سنوات ظل ملف التصريح الأمني واحداً من أكثر الملفات التي أثقلت كاهل المواطن في نينوى، وتحول إلى عقبة بيروقراطية تعترض طريق المواطن في إنجاز أيٍ من معاملاته الرسمية، رغم التحسن الأمني الكبير الذي شهدته المحافظة وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل بشكل طبيعي.
وفي خطوة لاقت ترحيباً واسعاً آنذاك، أصدر محافظ نينوى عبد القادر الدخيل في آذار 2024 كتاباً رسمياً موجهاً إلى القيادات الأمنية في المحافظة، يقضي بإلغاء العمل بالتصاريح الأمنية للمواطنين من أهالي نينوى ممن يمتلكون البطاقة الوطنية الموحدة، وذلك بهدف التخفيف عن المواطنين وتسهيل معاملاتهم اليومية في الدوائر الحكومية.
القرار لم يكن ارتجالياً أو فردياً، بل جاء بعد اجتماع ضم رئيس محكمة استئناف نينوى والقيادات الأمنية في المحافظة، واستند إلى واقع أمني مستقر وإلى اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة كوثيقة رسمية حديثة تتضمن بيانات دقيقة وشاملة عن المواطن، ما يجعل الكثير من الإجراءات الأمنية التقليدية فاقدة لمبرراتها السابقة.
لكن وبعد مرور أكثر من عام على صدور القرار، لا يزال المواطن النينوي يتفاجأ بإصرار العديد من الدوائر والمؤسسات على طلب التصريح الأمني أو ما يشابهه من متطلبات أمنية إضافية، في مشهد يعكس حالة من عدم الانسجام بين القرارات الرسمية وآليات تنفيذها على أرض الواقع.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كان قرار صادر عن محافظ نينوى بصفته رئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة لم يجد طريقه إلى التطبيق الكامل، فهل ستلتزم الدوائر والمؤسسات بقرارات مجلس المحافظة الأخيرة التي اصدرت توصيات أو قرارات مماثلة؟
المشكلة لا تكمن فقط في وجود أو عدم وجود تصريح أمني، بل في الرسالة السلبية التي تصل إلى المواطن عندما يرى قراراً رسمياً يصدر عن أعلى سلطة تنفيذية محلية ثم يبقى حبراً على ورق. فغياب التنفيذ يضعف ثقة المواطن بالمؤسسات، ويخلق انطباعاً بأن القرارات الحكومية ليست ملزمة أو أن هناك جهات قادرة على تعطيلها دون مساءلة.
كما أن استمرار العمل بإجراءات متناقضة بين دائرة وأخرى يكرس حالة من التخبط الإداري. فالمواطن الذي ينجز معاملته في مؤسسة دون الحاجة إلى تصريح أمني، يجد نفسه مطالباً به في مؤسسة أخرى، رغم أن الجهة الحكومية واحدة والدولة واحدة والقانون واحد.
إن نجاح اللامركزية الإدارية لا يقاس بعدد القرارات التي تصدرها الحكومات المحلية، بل بقدرتها على تنفيذ تلك القرارات وتحويلها إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس. ولا يمكن الحديث عن صلاحيات حقيقية للمحافظات إذا كانت القرارات المحلية تبقى رهينة المزاج الإداري أو الاجتهادات الفردية لبعض المؤسسات.
اليوم، تحتاج نينوى إلى مراجعة جادة لهذا الملف، ليس فقط لإنصاف المواطنين، بل أيضاً لحماية هيبة الدولة واحترام التسلسل الإداري والقانوني. فإما أن يكون قرار إلغاء التصريح الأمني قراراً نافذاً وملزماً للجميع، أو أن يتم توضيح الأسباب القانونية والإدارية التي حالت دون تطبيقه، بعيداً عن حالة الضبابية التي يدفع ثمنها المواطن وحده.
لقد آن الأوان لطي صفحة الإجراءات التي فقدت مبرراتها، ومنح الحكومة المحلية مساحة أوسع للتحرك ومعالجة المشكلات اليومية للمواطنين، فالمحافظات التي استعادت أمنها واستقرارها تستحق إدارة أكثر مرونة وثقة بمواطنيها، لا مزيداً من الحواجز الورقية التي تعطل مصالح الناس وتستهلك وقتهم وجهدهم دون جدوى حقيقية.
