نينوى الغد/ عمر النعمة
حين تتصافح واشنطن وطهران بعد سنوات طويلة من الصراع والعقوبات والتهديدات والحروب غير المباشرة، فإن السؤال لا يكون فقط: من انتصر؟ بل ماذا سيحدث للمنطقة بعد هذا السلام؟
فالسلام الشامل بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن النظر إليه باعتباره اتفاقاً ثنائياً بين دولتين فحسب، بل باعتباره حدثاً سياسياً قادراً على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بأكمله. فطوال عقود كانت المنطقة تعيش على إيقاع التوتر بين الطرفين، وكانت ملفات العراق وسوريا ولبنان والخليج واليمن جزءاً من معادلة الصراع الكبرى. واليوم يبدو أن الجميع يقف أمام مرحلة جديدة عنوانها المصالح لا المواجهة.
السؤال الأكثر تداولاً هو: من انتصر في هذه الحرب الطويلة؟
الحقيقة أن مفهوم الانتصار في الصراعات الحديثة لم يعد كما كان في الحروب التقليدية. فلا واشنطن استطاعت إسقاط النظام الإيراني رغم سنوات العقوبات والضغوط القصوى، ولا إيران نجحت في إخراج الولايات المتحدة من المنطقة أو كسر نفوذها بالكامل. ولذلك فإن الوصول إلى طاولة السلام يعني أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة بأن الاستمرار في الصراع أصبح أكثر كلفة من التسوية.
أمريكا خرجت بمكسب استراتيجي يتمثل في تهدئة واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم، وضمان أمن الطاقة والممرات المائية وتقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة. أما إيران فقد نجحت في البقاء والصمود والحفاظ على نظامها السياسي، وفتحت لنفسها نافذة جديدة نحو الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الدولية.
أما العرب، فهم أمام معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، سيستقبل كثير من الدول العربية أي اتفاق يبعد شبح الحرب عن المنطقة ويمنحها فرصة التركيز على التنمية والاستقرار. ومن جهة أخرى، ستبقى هناك مخاوف مشروعة من أن يؤدي الاتفاق إلى تعزيز النفوذ الإيراني أو إعادة توزيع النفوذ الإقليمي بطريقة قد تثير قلق بعض العواصم العربية.
في العراق تحديداً، قد يكون السلام الأمريكي الإيراني أحد أهم الأحداث السياسية منذ سنوات. فالعراق كان طوال المرحلة الماضية ساحة تقاطع بين المصالح الأمريكية والإيرانية، ودفع ثمناً أمنياً وسياسياً واقتصادياً باهظاً نتيجة هذا الصراع. ولذلك فإن أي تقارب بين الطرفين يمنح بغداد فرصة نادرة للخروج من دائرة الاستقطاب والانتقال نحو سياسة أكثر توازناً واستقلالية.
لكن السؤال الأهم: هل أصبحت إيران أقوى بعد السلام؟
الإجابة ليست بنعم أو لا. فإيران لم تخرج من الحرب كقوة منهارة، لكنها أيضاً لم تخرج كقوة مهيمنة بلا تحديات. ما حصل عليه الإيرانيون هو فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وإحياء الاقتصاد، واستعادة جزء من حركتهم التجارية والمالية. وإذا نجحت طهران في استثمار هذه الفرصة فإن قوتها الحقيقية قد تتضاعف خلال السنوات المقبلة، أما إذا أهدرتها فستبقى التحديات القديمة قائمة مهما كانت الاتفاقيات الموقعة.
وفي هذا السياق ينبغي فهم مصطلح “السلام الشامل”. فالمقصود ليس مجرد وقف للتصعيد أو تبادل للابتسامات الدبلوماسية، بل إنشاء قواعد جديدة للعلاقة بين الطرفين تقوم على إدارة الخلافات ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة. السلام الشامل يعني أن المصالح الاقتصادية والأمنية أصبحت أكبر من دوافع الحرب، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من التنافس السياسي تحت سقف التفاهم لا تحت ظلال الصواريخ.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بما يُكتب على الورق، بل بما يتحقق على الأرض. فكم من اتفاق وُصف بأنه تاريخي ثم انهار عند أول اختبار. ولذلك يبقى الحكم الحقيقي على هذا السلام مرهوناً بقدرته على إنتاج استقرار طويل الأمد، وليس مجرد هدنة مؤقتة بين خصمين أدركا أن الحرب لم تعد خياراً مربحاً.
الشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق جديد. وإذا كان صوت المدافع قد تراجع، فإن معركة النفوذ والمصالح وإعادة رسم الخرائط السياسية لم تنتهِ بعد، بل ربما بدأت فصلاً جديداً أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً.
