عمر النعمة
يبدو أن أزمة البنزين في نينوى دخلت مرحلة جديدة من الابتكار الإداري، بعد أن عجزنا عن الوصول إلى البنزين نفسه، فقررنا أن نصل إلى السيارة!
وبعد سنوات من الحديث عن التهريب، والبيع خارج السياقات الرسمية، والمحطات، والحصص، والبطاقات، والكوبونات، يبدو أن الحل العبقري الذي خرج من مطبخ الأفكار هو: (ستيكر)!
نعم، ستيكر!
ليس مشروعاً لإغلاق منافذ التهريب، ولا منظومة إلكترونية متكاملة تراقب حركة الوقود من المستودع إلى المضخة، ولا إجراءات صارمة بحق من يعبث بحصة المحافظة، وإنما قطعة لاصقة تُثبت على زجاج السيارة، وكأن أزمة البنزين في نينوى سببها أن سياراتنا لم تكن مزينة بما يكفي!
رئيس لجنة الطاقة في مجلس محافظة نينوى، أحمد العبد ربه، أعلن عن توجه لإلغاء الكوبون واستبداله بـ«ستيكر» مجاني يُثبت على السيارات، بهدف حل مشكلة الوقود والحد من تهريبه.
وهنا لا بد أن نصفق للفكرة، لكن بهدوء حتى لا يتضرر الاستيكر!
فبعد أن كنا نذهب إلى المحطة بالكوبون، سنذهب مستقبلاً بالستيكر. وإذا استمرت الأزمة، ربما يصبح الحل التالي ستيكرين: واحد للبنزين الاعتيادي، وآخر للبنزين المحسن. وإذا لم تنجح، ننتقل إلى ستيكر ثالث خاص بالسيارات التي أصحابها «مستحقون» للوقود.
وإذا فشل كل ذلك، فلا نستبعد أن يصل بنا الإبداع الإداري إلى مرحلة توزيع ختم رسمي على جبين المواطن يؤكد أنه صاحب سيارة، وأنه لم يأخذ حصته من البنزين في ذلك اليوم!
أما عضو مجلس محافظة نينوى سعدون الشمري، فقد عبّر عن حجم التعقيد الذي وصلت إليه الإجراءات بقوله: (لم يبقَ إلا فحص الـDNA للتزود بالوقود).
والحقيقة أن الرجل ربما كان يمزح، لكننا نخشى أن تتحول المزحة إلى مشروع.
ففي العراق، بعض الأفكار تبدأ نكتة وتنتهي بتعليمات رسمية.
وبذلك قد نصل قريباً إلى المحطة، فيُطلب منا قبل تعبئة صفيحة البنزين: البطاقة الوطنية، وبطاقة السكن، والاستيكر، وبصمة الإصبع، وبصمة العين، وربما عينة دم للتأكد من أن السيارة عراقية المنشأ وأن السائق لم يكن قد تزود بالوقود في حياة سابقة!
لكن المشكلة الحقيقية ليست في الكوبون ولا في الاستيكر.
المشكلة أن التهريب لا يملك سيارة واحدة حتى نضع عليها ستيكراً!
التهريب منظومة، وإذا كان هناك وقود يخرج من المحافظة بطرق غير قانونية، فالمطلوب أن نعرف: من أين يخرج؟ وكيف يخرج؟ ومن يسهّل خروجه؟ ومن يستفيد منه؟ ولماذا لا تستطيع الجهات الرقابية إيقافه؟
أما أن نضع «ستيكر» على سيارة المواطن ونطلب منه أن يثبت أنه يستحق البنزين، فهذا يشبه أن نعاقب صاحب البيت لأن اللص دخل إليه!
ثم إن أحد الناشطين أثار نقطة أكثر أهمية: ماذا لو تحولت هذه الاستيكرات نفسها إلى وسيلة جديدة للتلاعب؟ ماذا لو تم تصويرها أو استنساخها أو استغلالها، خصوصاً إذا لم تتضمن رقماً سرياً أو نظام حماية يمنع تزويرها؟
وهنا يصبح المواطن أمام معادلة عجيبة:
نحن نضع الاستيكر حتى نمنع التهريب، ثم نحتاج إلى إجراءات لمنع تزوير الاستيكر، ثم نحتاج إلى إجراءات لمنع تزوير الإجراءات التي تمنع تزوير الاستيكر!
وبعدها نحتاج إلى لجنة لمتابعة اللجنة التي تتابع الاستيكر!
وهكذا تكون الأزمة قد حُلّت إدارياً على الأقل، حتى لو بقيت المضخة بلا بنزين.
المواطن لا يريد نظاماً معقداً يثبت أنه مواطن، ولا يريد أن يدخل في سباق حواجز بين الكوبون والاستيكر والبطاقة والبصمة.
المواطن يريد شيئاً بسيطاً جداً:
أن يذهب إلى المحطة، يدفع ثمن البنزين، ويأخذ البنزين.
أما الدولة، فمهمتها أن تعرف أين يذهب الوقود الذي لا يصل إلى المواطن، وأن تضرب بيد القانون على من يسرقه أو يهربه، لا أن تجعل المواطن يثبت في كل مرة أنه ليس مهرباً!
وإذا كان الاستيكر هو الحل فعلاً، فنقترح تطوير الفكرة وعدم التوقف عند السيارات.
لماذا لا نضع ستيكر على كل برميل نفط؟
وستيكر على كل صهريج؟
وستيكر على كل محطة؟
وستيكر على كل مسؤول يتحدث عن أزمة الوقود؟
بل نقترح إصدار ستيكر وطني موحد يُكتب عليه:
(هذا الوقود عراقي، الرجاء عدم تهريبه).
ولمنع التلاعب، يكون الاستيكر مضاداً للماء والحرارة والفساد.
وإذا لم تنجح كل هذه الحلول، فلا بأس.
ننتقل إلى المرحلة الأخيرة.
فحص الـDNA.
فربما المشكلة ليست في البنزين أصلاً…
ربما اكتشفنا أخيراً أن جينات المواطن النينوي لا تتطابق مع جينات الوقود!
