لم يعد ارتفاع درجات اختبارات الذكاء اتجاهاً ثابتاً كما كان خلال العقود الماضية، إذ كشفت دراسة علمية واسعة شملت نحو 400 ألف شخص في الولايات المتحدة عن تراجع في عدد من القدرات المعرفية، مقابل تحسن مهارة عقلية أخرى، في نتائج أعادت طرح ما يعرف علمياً بـ«تأثير فلين العكسي».
وحلّل باحثون من جامعة نورث وسترن بيانات 394 ألفاً و378 شخصاً بالغاً، تراوحت أعمارهم بين 18 و90 عاماً، بهدف رصد التغيرات التي طرأت على الأداء المعرفي خلال السنوات الأخيرة. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «إنتليجنس».
وأظهرت النتائج انخفاضاً في الدرجة المعرفية الإجمالية للمشاركين، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو المستوى التعليمي، مع تسجيل أكبر مستويات التراجع بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاماً، وكذلك بين الأشخاص ذوي المستويات التعليمية الأقل.
وشمل التراجع عدداً من المهارات، بينها القدرة على التعرف إلى الأنماط، والاستدلال المجرد، وحل المشكلات، إضافة إلى التفكير المنطقي القائم على تسلسل الحروف والأرقام.
وتأتي هذه النتائج في الاتجاه المعاكس لما عرف بـ«تأثير فلين»، وهي ظاهرة رُصدت منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بدأت متوسطات نتائج اختبارات الذكاء بالارتفاع بمعدل يقارب ثلاث نقاط كل عقد، قبل أن يصف الباحث جيمس فلين الظاهرة بصورة علمية عام 1984.
وكان الباحثون قد ربطوا ارتفاع الأداء المعرفي آنذاك بمجموعة من العوامل، من بينها تحسن التغذية، وتطور أنظمة التعليم، وتحسن الظروف المعيشية، إلى جانب التغيرات التي طرأت على حجم الأسرة وتعقيد البيئة التي يعيش فيها الإنسان.
وفي المقابل، لم تُظهر الدراسة تراجعاً شاملاً في جميع القدرات العقلية، إذ سجل المشاركون تحسناً في مهارات التصور المكاني ثلاثي الأبعاد، بينما لم يطرأ تغير كبير على مهارات الاستدلال اللفظي، التي تعتمد على المفردات والمعرفة العامة.
ويرجح الباحثون أن بعض التغيرات التكنولوجية والثقافية قد تكون مرتبطة بهذه التحولات، إلا أن الدراسة لم تحدد سبباً مباشراً للتراجع. كما أشارت إلى أن الظاهرة بدأت قبل انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي وقبل جائحة كورونا، ما يجعل من الصعب اعتبارهما سبباً رئيسياً للنتائج.
وتزامن ظهور التراجع، وفق الدراسة، مع فترة الانتشار الواسع للهواتف الذكية في أواخر العقد الأول من الألفية، الأمر الذي فتح نقاشاً حول تأثير أنماط استهلاك المحتوى الرقمي والقراءة السريعة عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي في التركيز وأساليب معالجة المعلومات.
ويؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن البشر أصبحوا «أكثر غباءً»، وإنما تشير إلى أن القدرات المعرفية ليست ثابتة، وأن بعضها قد يتراجع في الوقت الذي تتطور فيه قدرات أخرى، متأثرة بالتغيرات التعليمية والتكنولوجية والثقافية التي يشهدها المجتمع.
وبذلك تفتح الدراسة باباً أوسع للنقاش حول طبيعة الذكاء في العصر الرقمي: هل نحن أمام تراجع حقيقي في القدرات العقلية، أم أن الإنسان يعيد توزيع مهاراته بما يتناسب مع البيئة الجديدة التي يعيش فيها؟
