خاص/ نينوى الغد
يجد آلاف العاملين في بعض الشركات الأهلية بالعراق أنفسهم أمام معاناة متفاقمة، في ظل تأخر صرف الرواتب لأشهر متتالية، وتهديدات بالفصل يواجهها بعض الموظفين عندما يطالبون بمستحقاتهم المالية، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات وأسعار السلع الأساسية، ما يضعهم أمام خيارات صعبة بين الاستمرار في العمل من دون أجر أو المخاطرة بخسارة وظائفهم ومصدر رزقهم الوحيد.
وتتصاعد شكاوى العاملين في القطاع الخاص من تأخر دفع الرواتب، إذ يؤكد بعضهم أنهم لم يتسلموا مستحقاتهم منذ أربعة أو خمسة أشهر، رغم استمرارهم في أداء مهامهم اليومية والالتزام بساعات العمل ومتطلبات الوظيفة، في وقت تتراكم فيه عليهم الالتزامات المالية، من إيجارات المنازل وأقساط الديون إلى تكاليف الغذاء والنقل والتعليم والاحتياجات الأساسية لأسرهم.
ويقول موظفون إن مطالبتهم بحقوقهم المالية تتحول، في بعض الحالات، إلى مصدر قلق إضافي، بعدما يواجهون تهديدات بإنهاء خدماتهم أو الاستغناء عنهم، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى الصمت وتحمل التأخير خشية فقدان الوظيفة، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل وصعوبة العثور على بديل يضمن دخلاً ثابتاً.
ولا تتوقف المشكلة عند تأخر الرواتب فحسب، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين بعض إدارات الشركات والعاملين فيها، إذ يشعر موظفون بأنهم يفتقرون إلى القدرة على الاعتراض أو المطالبة بحقوقهم من دون التعرض لضغوط إدارية، في ظل تفاوت موازين القوة بين صاحب العمل والموظف الذي يعتمد على راتبه لتأمين احتياجاته اليومية.
غلاء المعيشة يضاعف معاناة الموظفين
وتأتي هذه الشكاوى في وقت تواجه فيه الأسر العراقية ضغوطاً معيشية متزايدة، مع ارتفاع تكاليف الإيجارات والسلع والاحتياجات الأساسية، فيما أثارت التغييرات الأخيرة في سعر صرف الدولار مخاوف بشأن انعكاساتها على أسعار الأسواق والقوة الشرائية للمواطنين.
ويقول عاملون إن تأخر الرواتب لأشهر يجعل قدرتهم على مواجهة هذه المتطلبات أكثر صعوبة، إذ يجد الموظف نفسه مطالباً بتسديد إيجار منزله وتوفير احتياجات أسرته في مواعيد محددة، رغم عدم حصوله على الدخل الذي يفترض أن يغطي تلك الالتزامات.
ويضيف بعضهم أن استمرار العمل من دون استلام المستحقات يحول الوظيفة من وسيلة لتحقيق الاستقرار المعيشي إلى عبء يومي، خصوصاً عندما يضطر الموظف إلى الاقتراض من الأقارب أو الأصدقاء، أو الاستدانة لتغطية المصاريف الضرورية، بانتظار راتب لا يعرف موعد صرفه.
وتزداد حدة هذه الأزمة لدى الموظفين الذين يعيلون أسرهم، إذ لا تقتصر آثار التأخير على العامل وحده، بل تمتد إلى أفراد عائلته، وقد تؤثر في قدرتهم على دفع الإيجار وتوفير الغذاء والدواء ومستلزمات الدراسة، فضلاً عن الالتزامات المالية المتراكمة.
غياب الحماية الفعلية يدفع الموظفين إلى الصمت
ويربط بعض العاملين ما يتعرضون له بضعف تطبيق القوانين والضمانات التي يفترض أن تنظم العلاقة بين الموظف وصاحب العمل في القطاع الخاص، مؤكدين أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب النصوص القانونية بالكامل، بقدر ما تتعلق بمدى تطبيقها وقدرة الموظف على اللجوء إلى الجهات المختصة لاسترداد حقوقه من دون الخوف من الانتقام الوظيفي.
ويشير هؤلاء إلى أن الخشية من الفصل أو التضييق الإداري، إلى جانب طول الإجراءات القانونية أو عدم معرفة بعض الموظفين بحقوقهم، قد تدفعهم إلى تجنب تقديم الشكاوى الرسمية، حتى عندما تتراكم الرواتب غير المدفوعة لأشهر.
كما تثير هذه الحالات تساؤلات بشأن آليات الرقابة على الشركات الأهلية، ودور الجهات المعنية في متابعة الالتزام بصرف الأجور في مواعيدها، والتحقق من الشكاوى المتعلقة بالتهديد بالفصل أو الامتناع عن دفع المستحقات، وضمان عدم تحول حاجة المواطنين إلى العمل إلى وسيلة لفرض شروط مجحفة عليهم.
ويطالب عاملون بتفعيل الرقابة على الشركات المخالفة، وتسهيل إجراءات تقديم الشكاوى، وتسريع حسم النزاعات المتعلقة بالأجور، فضلاً عن توفير ضمانات تمنع اتخاذ إجراءات انتقامية بحق الموظفين الذين يطالبون بمستحقاتهم القانونية.
بين الحاجة إلى العمل والبحث عن العدالة
وتكشف هذه المعاناة عن تحدٍ أوسع يواجه سوق العمل في العراق، يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار ونمو الشركات الخاصة من جهة، وضمان حقوق العاملين وحمايتهم من الاستغلال من جهة أخرى.
فالقطاع الخاص يمثل مصدراً مهماً لفرص العمل، لكن استقرار العلاقة بين الشركات وموظفيها يتطلب الالتزام بالعقود والأجور والضمانات القانونية، فضلاً عن وجود آليات فعالة لمحاسبة الجهات التي تثبت مخالفتها للقانون.
وفي ظل استمرار شكاوى تأخر الرواتب والتهديد بالفصل، يبقى السؤال الأهم: من يحمي الموظف العراقي عندما يتحول طلبه بالحصول على راتبه إلى تهديد لمستقبله الوظيفي؟
وبين التزامات معيشية لا تنتظر، ورواتب قد تتأخر لأربعة أو خمسة أشهر، ومخاوف من فقدان مصدر الدخل، يجد بعض العاملين في الشركات الأهلية أنفسهم عالقين بين الحاجة إلى الاستمرار في العمل والمطالبة بحقوقهم، في انتظار رقابة أكثر فاعلية تضمن أن يكون الراتب حقاً مستحقاً في موعده، لا امتيازاً يتوقف على قرار صاحب العمل.
