نينوى الغد_ بقلم رصاص
لسنوات طويلة سعت الموصل إلى استعادة صورتها كواحدة من أهم المدن العراقية الجاذبة للسياحة. أُنفقت الأموال على إعادة الإعمار، ورُممت المواقع الأثرية، وتسابقت الصفحات والمنصات الإعلامية للترويج لجمال المدينة وتراثها ومطاعمها وأسواقها. لكن كل هذه الجهود اصطدمت بعقبة لم تكن حرباً ولا دماراً ولا أزمة أمنية، بل كانت بطاقة وقود.
فما الذي سيبقى في ذاكرة السائح القادم من بغداد أو البصرة أو كربلاء عندما يجد نفسه عاجزاً عن تعبئة مركبته بالبنزين؟ وما قيمة الترويج للسياحة إذا كان الزائر يقضي جزءاً من رحلته باحثاً عن محطة تسمح له بالحصول على الوقود؟
المشكلة لم تكن في نقص البنزين، بل في طريقة إدارته. زوار قدموا إلى الموصل بمركباتهم الخاصة، أنفقوا أموالهم في فنادقها ومطاعمها وأسواقها، لكنهم فوجئوا بأنهم غير قادرين على الحصول على الوقود لأنهم لا يمتلكون “الكابون” الخاص بالمحافظة. وهنا تحولت الرحلة السياحية من تجربة ممتعة إلى قصة إحباط تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع.

الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تبقَ محصورة في حدود محطة وقود، بل تحولت إلى أزمة سمعة. عشرات التعليقات والمنشورات حملت رسائل استياء وانتقاد، وبعضها وصل إلى حد إعلان عدم زيارة الموصل مجدداً. وفي عالم السياحة، لا يوجد إعلان سلبي أخطر من زائر يغادر وهو يشعر بأنه غير مرحب به.
المفارقة أن بعض أهالي الموصل تصرفوا بعكس ما فعلته الإجراءات الرسمية. فقد تبرع مواطنون من حصصهم الوقودية لزوار عالقين، رغم حاجتهم الشخصية إليها. وهنا يبرز السؤال المؤلم: إذا كان المواطن قد وجد حلاً، فلماذا عجزت الجهات المسؤولة عن توقع المشكلة ومعالجتها قبل وقوعها؟
كيف يمكن لمحافظة تستقبل آلاف الزوار أن تغفل عن تخصيص آلية واضحة لتزويد القادمين من المحافظات الأخرى بالوقود؟ وكيف يُعقل أن تتحول مدينة تسعى لتنشيط السياحة إلى مكان يضطر فيه الزائر إلى استجداء البنزين أو البحث لساعات عن محطة تجارية قد لا يعرف موقعها أصلاً؟
والأكثر إثارة للاستغراب أن مشهد باعة البنزين على الأرصفة ما زال قائماً. فإذا كانت محطات الوقود ترفض تعبئة المركبات دون بطاقة خاصة، فمن أين يحصل هؤلاء على الوقود الذي يبيعونه علناً؟ وكيف تعجز الأنظمة الصارمة عن السماح للزائر بالحصول على البنزين، بينما تنجح السوق الموازية في توفيره؟
السياحة ليست فندقاً جميلاً أو مطعماً مشهوراً أو موقعاً أثرياً فقط، بل هي سلسلة متكاملة تبدأ من لحظة وصول الزائر وتنتهي عند مغادرته. وعندما يفشل جزء أساسي من هذه السلسلة، فإن كل جهود الترويج تتحول إلى خسارة.
الموصل اليوم لا تواجه أزمة وقود، بل أزمة إدارة وتخطيط. فالسائح الذي يعود إلى مدينته حاملاً انطباعاً سلبياً سينقل تجربته إلى عشرات وربما مئات الأشخاص. وعندها لن تكون الخسارة مجرد لترات من البنزين، بل صورة مدينة كاملة دفعت ثمناً باهظاً لاستعادتها، ثم كادت تخسرها عند مضخة وقود.
