Uncategorized

فتوى بشأن تنفيذ حق الصرف للمسافر العراقي 

بعث أحد الأخوة الأفاضل بالسؤال الشرعي الآتي، وسألني الإجابة عليه: 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

سؤالنا إلى الدكتور شوان بشأن ماتم تداوله هذه الايام عن تحريم تصريف المسافر في العراق للمال في الصرافة و من ثم استلام الدولار في المطار لانه ليست يدا بيد؟ فبماذا حضرتكم تفتون بها ؟! وجزاكم الله خير 

وقد أجبت على السؤال بفتوى مفصل في المسألة، من خلال تصور المسألة وتكييفها الشرعي، ثم بيان الحكم الشرعي بصددها، مع سوق الأدلة الشرعية والقانونية المتعلقة بها .

تصور المسألة 

وفق   تعليمات البنك المركزي العراقي، يح ق  للمواطن العراقي الذي يق ر ر السفر إلى خارج العراق أن يشتري  2000  دولار من منافذ صرافة مح ددة بسعر الصرف الرسمي البالغ 1320  دينار  عراقي   للدولار الواحد، وللتأكد من تح ق ق السفر، كشرط للحصول على هذا الحق، لا  ب  د  من إجراء عملية الصرف )البيع( قبل يوم السفر لدى المنفذ )الصيرفة( المخول، فيتم بيع مبلغ من الدنانير العراقية بما  يعادل  2000  دولار   أمريكي بسعر صرف مقداره 1320 دينارا عراقيا للدولار الواحد، يحصل بموجبه المسافر على وصل أو وثيقة مقابل بيع الدنانير تثبت حق المسافر بمقدار 2000 دولار، يستلمه في المطار بعد إنهاء إجراءات السفر.

صورة الإجراء:  هي بيع دنانير عراقية بدولارات أمريكية، بسعر صرف رسمي معلوم ساعة الصرف، واستلام وثيقة تثبت الحق الشرعي بمبلغ معين من الدولارات يعادل الدنانير المصروفة )المباعة(، على أن يت م  إبراز هذه الوثيقة بعد إنهاء إجراءات السفر في المطار، لاستلام 2000 دولار، وهو المبلغ المعادل للدنانير المصروفة في المنفذ .

التكييف الشرعي 

 ت تكي   ف  صورة    هذه المسألة في ثلاث معاملات شرعية، متسلسلة ومتعاقبة ومت  ممة لبعضها البعض، تبدأ بالوكالة، ثم الصرف، وبعدها ال س ف ت  ج ة 

أما الت  وكي ل : فهو تخوي ل   البنك المركزي العراقي الممنو ح   لعدد من المصارف وشركات الصيرفة العراقية، بإجراء عمليات الصرف في مكاتبها وتسليم عملة الدولار في المطار وفق اللوائح والضوابط التي أصدرها بهذا الشأن،  نياب ة  عنه، إذ بموجبه يقوم المصرف، أو المنفذ، بإجراء عملية الصرف، وإستلام الدنانير العراقية، مقابل وثيق ة   رسمي ة     مص د ق  ة  من البنك المركزي  ت ثبت ح ق   المسافر في مبلغ قدره  2000  دولار يستل م ه من فرع المصرف في المطار، بعد إنهاء إجراءات السفر، وهو مبلغ مدفوع للمسافر من تخصيصات البنك المركزي اليومية للمصارف والمنافذ المخولة، والمشمولة بتعليمات حق المسافر بالصرف بالسعر الرسمي، وهو، بالتالي، ليس من الأموال الخاصة بالمصارف والمنافذ .

وأما ال ص ر ف : فهو بي ع  المسافر العراقي مبلغ  ا من الدنانير العراقية، بما يعادل 2000 دولار أمريكي بسعر الصرف الرسمي البالغ  1320  دينار عراقي للدولار الأمريكي، واستلا  مه وثيقة   رسمية   مضمون ة   من البنك المركزي العراقي )وفق التوكيل ال م عطى للمخ و ل(، تثب ت  ح  ق المسافر في مبلغ قدره 2000 دولار أمريكي، يستل م ه من فرع المصرف في المطار .

هذه المعاملة، هي معاملة   صرف    شرعي ة ، يت م  فيها بي ع  النقد بنق د  آخر في مجلس العقد، لأن الوثيقة   التي يستل م ها المساف ر  هي في الحقيقة نقدٌ أجنب  ي على شكل ص ك ، س م اه الشرع  بال سفت  جة،  وس م اه القانو ن   بالص ك   أو الورقة التجارية، التي تحمل نف س   القيمة النقدية التي تتض م نها ، وبالتالي،  فهي  بي  ع نق  د بنق د   آخر في   م ح   ل   العق د ، مع حوالة  المسافر إلى فرع المصرف في المطار لا ستلام بدل الص ك ، وذلك لأسباب إجرائية.

ومن هنا تظهر الحاجة لفهم معنى ال س ف ت  ج   ة أو  الحوالة وعلاقتها بهذه المعاملة.

ال سفت  جة  : ع ر ف  القانو ن  التجاري العراقي  ال سفت جة  بأنها أحد   أشكال الأوراق التجارية التي ت م  تعريف  ها وف ق ا للمادة 39 من قانون التجارة في الدولة رقم 30 لسنة 1984م، والتي من خلالها  يقوم شخص ما  يط ل  ق  عليه الساح  ب )المصرف أو المنفذ في مسألتنا( بالطلب من شخ ص  آخر  يطل  ق عليه ال م سحو ب  عليه )فرع المصرف في المطار( أن يقوم بدفع مبلغ من المال لطرف ثالث  )المسافر العراقي( والذي  يسمى بالمستفيد، وذلك خلال ميعاد معين أو لدى الاطلاع، أو لدى إبراز الوثيقة في المطار )كما هو وارد في صورة هذه المسألة(. 

ولإنشاء ال س فتجة في القانون التجاري العراقي، لاب د  من تحقيق ثلاثة أركان موضوعية، وهي:  

الركن الأول: الرضا، وهو   متحق قٌ في هذه المسألة، فهناك إرادة حقيقية لدى المصرف المخ و ل من البنك المركزي العراقي، وفرعه في المطار، والمسافر العراقي .

الركن الثاني: السب ب  ال م و ج  ب  لإصدار ال س فتجة، فإصدا  ر الوثيقة، في هذه المسألة، بدل دف ع  الدولار نق  دا،  وتحوي ل   المسافر لاستلامه في المطار،  هو بسبب من ع   التحا  ي ل   والتهري ب  واستغلا ل  القانون لتحقيق أرباح غير  م ستحق ة، وهو إجرا ءٌ منطقي ومفهوم .

الركن الثالث: ال م  ح ل ، و  م  ح   ل ال س فت  ج  ة هو ال مبل  غ ال مح د د   من النقود  المذكو  ر في ال  سفتجة، والذي ت  م تعيي ن ه تعيين  ا ناف  يا للجهالة من الناحيتين، الكمية والنوعية، وهو  م تحق  قٌ في المسألة، إذ أن المبلغ الذي يت  م تسليمه في المطار هو نفس المبلغ المكتوب في الوثيقة التي   يست ل  م ها المساف ر  من المصرف، وهو مبلغٌ  معلومٌ  و م تعي  نٌ تعيي ن ا دقيق  ا غير قاب ل  للش ك  1. 

وع  رف  ها ال ش رع ، كالآتي:” وصورت ه: أن   يع ط ي  ما لا  لآ خ ر  وللآ خ  ر مالٌ  في   بل   د ال معْطى،  ف يو ف  ي ه  إي اه هناك، ف يسْتفيد  أ مْن   الط ري ق “2. 

وقد “ورد أ ن  عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- كان يقبض النقود من الرجل في مكة ويكتب له خطا با إلى أخيه مصعب في العراق ليس  ل  م ه بدل  ها”3. 

و”يس ل مه بدل  ها” يعني يعطيه بد ل  ما ل ه الذي أودعه،  ما ل  البل د  الذي يستلم فيه المال، وهذا يعني إجرا ء  عملية الصرف بعد الحوالة، لأ ن  الدنانير والدراهم في تلك ال ح ق   ب  كانت تختلف من بلد لآخر ومن مدينة لأخرى، وق دْ ذك ر اب ن الحا  ج في كتاب ه “الْ مد خ ل” أنوا ع الن قود  الْ منا طقي  ة وت فا و ت  ق ي مها، فذك ر الآتي: ” ولْ يحذ رْ  م ما يف عل ه   بع ضهم، وهو أن هم  يتعا ملون  بال ف ض ة في  بل د  ف يب قى  لب ع ضهم عند  ب ع ض شيءٌ ف  يقب ض ذلك منه  في  بلد  آ خ ر، وال سك ة   مخت  لف ةٌ، وذل ك  ربا، لأ ن الأقالي م وال بلا د ت خت  ل ف في          ضرْ ب ال سك  ة، وفي الغ   ش بالن حا س، وع د م الغ   ش به، فت و جد  هذ ه ال سك ة  في  بلد  دون  أ خرى، وإنْ  و ج دتْ ف ت ؤ خذ  بزيا د ة أو ن قصْا ن. ألا ت رى أ ن  درا ه م ال مْغ ر ب ليستْ ك درا ه م أفري ق ية ، وليستْ درا ه م أفري قي ةٌ  ك درا ه م الإس كن در ي ة، وليستْ درا ه م الإس كن در ي ة ك دراه م ال ديا ر ال مْصري  ة، إلى غي ر ذلك  من اخ تلا ف ال بلاد  والأق الي م و س ك كها، فإذا  ب ق ي  لبع ضهم عن د بع ض شيءٌ، ف  يق ب ضه  في  مو ض ع، وليستْ تل ك ال ف ضة   ب عي نها، بل غي رها، ف يد خ ل في ذل ك الت فا ض ل وال جهال  ة والوق وع  في ال ربا الْ من صو ص على ت حري م ه  من  صا ح ب الش ري ع ة         صلوات  الله  علي ه و سلا مه “4. 

وهذه الحالة تشبه، تماما، قيا م  شخ ص  بإيداع مبلغ من المال بالدينار العراقي في المصرف، وهو يريد ارسا ل ه حوالة    إلى شخص آخر بالدولار الأمريكي، فيقو م   البن  ك  بعملي  ت ي ن   في آ ن  واح د ، فهو يقوم، أولا، بصرف المبلغ من الدينار العراقي إلى الدولار الأمريكي، وهذه عملية صرف    فورية بدون تأجيل، ثم يقوم المصرف بتحويل ما يعادل إيداعه والذي صرفه إلى الدولار الأمريكي، بالدولار إلى الجهة المعنية التي يح  دد ها المو د ع  ، ولا غبار على صحة العملية هذه، المتش ك  لة من معاملة صرف، ومعاملة حوالة .

والوص ل ، أو الوثيقة  ، أو الشفرة   الألكترونية، التي يستل م ها المساف  ر العراقي من المصرف أو المنفذ المخ و ل،  ت م ث    ل ص ك ا  م ص د  ق ا من البنك المركزي  ي ع  ي   ن ح ق ا له بمقدار 2000 دولار، يقوم باستلام بدله في المطار، يوم سفره، وهذا الص ك  يشبه ، تما م ا، الشيكا  ت السياحي ة  التي كانت رائجة   في بدايات القرن الماضي .

“ويمكن تعري  ف  الشيكات السياحية بأن  ها: أوامرٌ    م  و  ق عٌ عليها من ال م ح  ولين بالمصارف، أو الشركات ال م ص د رة إلى وكلائها ال م ف و  ض ين  بالصرف ،  لدفع القيمة للمستفيدين خص م ا من حساباتها لدى هؤلاء الوكلاء… و وسيل ة  إصدا ر  الشيك السياحي،  هي عملي ة  تحوي ل  مصرف ي   خارج  ي ، فالعمي  ل يريد         تحوي  ل مبل  غ     معي  ن من عملة بلاده على أنْ  يتسل م ه خار ج  بلاده بعمل ة  البلد الذي يرغ ب  بالسف  ر إليه، فالعملية   تنطوي على  ع قدي الوكالة والصرف.

أما الوكالة    فالمصر ف    ي و ك   ل  المصر  ف  المراس ل   أو الجهة    التي   ي عين  ها كالمحلات التجارية والشركات السياحية وغيرها بأ نْ  يدفعوا لحامل الشيك السياحي-أي المستفيد منه-  المبل غ  ال م ح  د د . والوكال ة  من العقود الجائزة، ويجوز أخذ   الأجر عليها .

ويدخل ال ص ر ف  أيضا  في عملية الشيك السياحي، فالعمي ل  يشتري من المصرف المبل غ  الذي يحتاجه خارج بلاده ، أي : يشتري نق  دا           أجنبيا. وإذا كان من شروط ال  صرف التقا  ب     ض  في مجلس العقد، فيمكن تص و   ر حدوث التقاب ض  بأ ن  العمي  ل -طالب النقد الأجنبي- يدف ع  للمصرف قيمة النقد الأجنبي الذي يريد شرا ء ه،  فيقوم المصر  ف  في مجلس العقد بتحرير الشيك وتسليمه للعميل بعد أنْ  يتسل م  منه القيمة   المعادلة   للنقد الأجنبي المطلوب. و ب  ق ب ض  العمي  ل للشيك السياحي من المصرف يكو ن  التقا ب   ض قد ت  م في مجلس العقد،  فالعمي  ل قب   ض  بد ل  ال ص رف في المجلس، إذ إ ن  الشي  ك السياحي   يق  ب ل  في كثي ر  من الأحيان بد لا  عن النقود”5. 

الحكم الشرعي 

واضحٌ   من ال ت كْ   يي ف   الشرعي للمسألة، أ ن   هذه المعاملة     ت تض م  ن    ت و ك ي لا  من البنك المركزي للمصرف ال م خ و ل بإجراء معامل ة  صر  ف من المبالغ ال م خ ص  ص  ة  من   ق ب له،   بضمان ت  ه، وسع ر  صرف   رسمي وفق   ضوابط مح  ددة، دف ع ا للتحا ي ل والتهريب المالي .

وتتض م  ن ، كذلك  ،معامل ة  صرف  ، أي بيع عملة بعملة أخرى، يقوم خلالها المسافر العراقي ببيع مبلغ من الدنانير بسعر الصرف الرسمي، ويستلم مقابله وص لا ، أو صك  ا  م ضمون  ا من البنك المركزي العراقي بالقيمة ال م عا د لة لمبيعه من الدنانير  بالدولارات،  وبذلك يحص ل 

الت  قا ب   ض في مجلس العقد، لأ ن  الص ك    يم ث    ل أص  ل المبلغ، ويقو م  مقا م ه، شر ع ا وقانو ن ا، وفق   ما ت م  سوق  ه من الأدل   ة  الشرعية والقانونية، إذ لا يعني استلا م  الدولار في المطار تأجي  لا  لأحد ال ع  و  ض ي ن   ال  ر  بوي ي ن   في  ب يوع الأموال ال  ر  بوي ة، بل هو  ت قا  بضٌ ، هاء هاء ،  في مجلس العقد ، وصر  ف الص ك  في المطار ليس إلا إجراء قانوني تقتضيه المصلحة   الوطنية والاقتصادية، وهو سب ب  إصدا ر  ال س فتج ة ، الذي هو ركنٌ  من أركانها .

كما وتتض م  ن   عق د   حوال ة ، يحي ل   المصر ف   المخ و  ل   بموجبه المساف ر   العراق ي   إلى فرعه في المطار لاستلام  مبلغه بالدولار الأمريكي بعد إبراز وثيق  ته التي استل م ها لقا ء   بي ع   الدنانير ،وكأن  ه أشترى شيك  ا سياحيا بالدينار من المصرف العراقي، ثم قا م  ببيعه بعملة الدولة التي سافر إليها، أو استبدلها بالدولار، إذ ت  عت ب   ر الصكو ك  المص  دقة   والأورا ق  التجارية وشيكات   السياحة أورا ق ا نقدي ة  يمكن بي ع ها وصرف  ها وشرا ء  السلع بها في معظم دول العالم .

عليه.. فبي ع  الدينار العراقي واستلا م  وثيق ة  رسمي ة   م ص  دق ة  مقابلها، هو عملي ة  صر  ف حصل فيها الت  قا  ب ض  في المجلس، وهي معامل ةٌ صحيحةٌ  شر ع ا، وليست شكلا من أشكال  ربا ال بيوع، ال مس مى  ”  ربا  الن  سي ئ ة”، لعدم تأجي ل   أح د   ال ع  و   ضي  ن  ال ر   بوي ي  ن.. وبالتالي فما يقو  م  به المساف ر  العراق  ي بهذا الشأن صحيح، و مباحٌ ، و لا غبار عليه، شر  عا وقانو ن ا.   

                             د. شوان زنگن ه

 2026/9/11                           

المصادر 

1-   مصطفى مؤيد، كل ما تريد معرفته عن السفتجة في القانون التجاري العراقي 2024، موقع مؤيد

 www.muayadandassociates.com ،2024/2 /27 ،وشركاؤه

2-   موقع الدرر السنية، الموسوعة الفقهية/ معنى السفتجة، www.dorar.net

3-   عبد الله الطيار، وآخرون، الفقه الميسر، ط1، مدار الوطن للنشر، الرياض ،2011م، ج6، 122

4-   ابن الحا ج، ال مد خل، مكتبة دار التراث ،القاهرة، بدون تاريخ، ج4، 66 

5-   راشد أحمد العليوي، شراء الشيكات السياحية، موقع مداد ،8/11/2007، www.midad.com  

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *