قرّرَ مجلسُ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، برئاسة رئيسه الجديد كيفن وارش، في اجتماعه المنعقد يوم الأربعاء، 17 حزيران 2026، إبقاءَ أسعارِ الفائدة دون تغييرٍ، بالإجماع، إذ أبقَى المجلسُ معدّلَ الاقتراضِ لليلة واحدة (Repo) ثابتًا بحدود 3.5% إلى 3.75%، وقد جاء هذا القرارُ وفق توقّعات المراقبين.
وشهدَ الاجتماعُ تراجعًا عن النبرة التيسيرية السابقة،إذ اعتبرَ البيانُ الصادر عن الاجتماع النشاطَ الاقتصادي قويًّا وفي حال التوسّع بالرغم من حالة عدم اليقين بسبب الصراع في الشرق الأوسط، وأن معدّلَ النمو لا يزال قويًّا، وأن التضخّمَ لا يزال مرتفعًا، وبعيدًا عن هدف الفيدرالي البالغ 2% نتيجةَ أزماتِ الطاقة.
وقد رفعَ الفيدراليُّ توقّعاتِه لمعدّل التضخّمِ لهذا العام إلى 3.6%، والتضخّمِ الأساسي إلى 3.3%، في حين خفّضَ توقعاتِه لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.2%، وثبّتَ البطالةَ في توقّعاته عند حاجز 4.3%.
ويأتي قرارُ مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتثبيتِ سعر الفائدة، ليؤكّدَ أنّ نموَّ الاقتصادِ الأمريكي لا يزال قويًّا، وأنّ نسبةَ البطالةِ مستقرّةٌ، وأنّ ألصراعَ الأمريكي الإيراني تسبّبَ بحالة عدم اليقين، ممّا جعلَ التضخّمَ لا يزال بعيدًا عن هدف الفيدرالي، وأنّ كبحَ جِماح التضخّم يقعُ في صُلبِ اهتماماتِه، لذلك لا يمكنُ انتظارُ خفضٍ للفائدة خلال الفترة المتبقّية من هذا العام.
وقد سجّلَ مؤشّرُ أسعارِ المستهلك (CPI –(Consumer Price Index في الولايات المتحدة في شهر أيار ارتفاعًا بمعدل سنوي قدره 4.2%. أما مؤشّرُ أسعارِ نفقاتِ الاستهلاكِ الشخصيِّ(Personal Consumption Expenditures Price Index – PCE) فقد ارتفعَ في شهر أيار بمعدّلٍ سنوي قدره 4.1%.
الاقتصادُ الأمريكي يُعاني من تناقضٍ شديدٍ، فهناك ركودٌ اقتصاديٌّ ونسبةُ بطالةٍ مرتفعةٍ، في حين أنّ البياناتِ تشيرُ إلى تمتّعِ السوق بنشاطٍ ملحوظ ونموٍّ قوي وتوسّعٍ اقتصادي، وهو ما يُوحي بأنّ للاقتصادِ الأمريكي وجهَينِ: وجهٌ يعيشُ حالةَ ركودٍ مُزمِنَةٍ من جهةٍ، وغلاءٍ ملموسٍ في المعيشة من جهةٍ أخرى، إذ يُعاني المواطنون من هذه الفئة من قلّة الموارد في ظلّ أسعارٍ باهضةٍ للسّلع والخدمات.. ووجهٌ يعيشُ نشاطًا اقتصاديًّا قويًّا، يوفّرُ فَرصَ العملِ والمواردَ الماليةِ التي تدفعُ بالأسعار نحو الارتفاع، وتضغطُ على التضخّم.
هذا التناقضُ يضعُ البنكَ الفيدراليَّ الأمريكيَّ أمام اختبارٍ صعبٍ، فلا هو يتمكّنُ من تَبنّي سياسةٍ نقديةٍ انكماشيةٍ صارمةٍ لكبح جِماح التضخّم الذي يرتفعُ باطّرادٍ، لأنّ الوجهَ الآخرَ من الاقتصاد الأمريكي سيتحطّمُ تحت وطْأَةِ الرّكودِ والبَطالةِ وقلّةِ الموارد وغلاءِ المعيشة.. ولا هو يتمكّنُ من تَبنّي سياسةٍ نقديةٍ توسّعيةٍ، لأنّ ذلك سيجعلُ التضخّمَ مُزمِنًا وغيرَ قابلٍ للمعالجة.
كما أنّ الاستمرارَ على النهجِ الحالي للسياسةِ النقدية الفيدرالية الانكماشية المَرنةِ والحَذِرةِ، لم يَحِدّ من زيادة وتيرة التضخّم، ولم يوقفه عند حدِّه، ناهيك عن عدم قدرته على تخفيضه.
لذلك، أعتقدُ أنّ مجلسَ الاحتياطي الفيدرالي سيضطرُّ إلى إعادة النظر في هدفه لمعدّل التضخّم البالغ 2%، إنْ عاجلًا أم آجلًا، تحت وطأةِ نموِّ أسعارِ السّلع والخدمات المُطَّرِدِ عالميًّا، وتوقّعاتِ الأسواق الأمريكية لِتضخّمٍ سنويٍّ يقاربُ 2.5% خلال العقود الثلاثة القادمة، وهو “معدّل التعادل للتضخّم” الناتجُ عن طرح عوائدِ السنداتِ المَحْميّةِ من عوائدِ السنداتِ العاديةِ، على الرغم من عدم مَيل الرئيس الجديد كيفن وارش لإعادةِ النّظرِ في هذا الهدف.
وأعتقدُ، كذلك، أنّ الأسواقَ سَتتعوَّدُ على معدّلِ تضخّمٍ مرتفعٍ نسبيًّا يتراوحُ بين 2.5% و3% في السنوات القادمة، وهو ما سيُبْقِي سعرَ الفائدةِ فوق 3% في المدى المَنظور، ما لم تَبتكرِ الدولُ وسائلًا لخفضِ كُلَفِ الإنتاجِ وطَمْأنةِ الأسواقِ، وستعكسُ هذه الأسواقُ تَعوُّدَها على الوضعِ الجديد على شكل صياغةِ مَنظورٍ جديدٍ لِتَحَيُّنِ الفُرَضِ وتوظيفِ النّقودِ وجَنْيِ الأرباحِ.
ففي الوضعِ الحالي، وفي ظلِّ قرارِ الفيدرالي بتثبيتِ سعرِ الفائدةِ والاستمرارِ في التّشديدِ، تأثّرتِ الأسواقُ، ومَجالاتُ توظيفِ الأموالِ في المَلاذاتِ الآمِنَةِ، وتَحَيُّنُ الفُرصِ الأكفأُ لِجَنْيِ الأرباحِ، كما يلي:
فأمّا الدولارُ الأمريكي، فإنّ ارتفاعَ سعرِ الفائدة سيرفعُ مؤشّرَه، ويدعمُ قوّتَه، ويعزّزُ الطلبَ عليه، ويحافظُ على جاذبيّتِه مُقارنةً بالعديد من العُمْلاتِ الرئيسيةِ، وقد تجاوزَ مؤشّرُ الدولار حاجزَ 101 نقطة، لحدّ الآن.
أمّا الذهبُ، فقد تراجعَ سعرُه بشكلٍ مَلحوظٍ، مع قرارِ الفيدرالي، وغَيابِ التلميحِ بخفضٍ قريبٍ للفائدة، إلّا أنّ حيويةَ الطلبِ المُستمِرِّ عليه كمَلاذٍ آمنٍ، واستمرارَ الصراعاتِ الجيوسياسيةِ سيَحِدُّ من أية تَراجُعاتٍ سعريةٍ، حاليًّا أو مستقبلًا.
وأمّا الأسواقُ والبورصاتُ، فقد تأثّرتْ بنبرةِ البنك الفيدرالي المستقبلية أكثرَ من تَأثُّرِها بقرار الفائدة نفسِه، فتلاشِي احتمالاتِ خفضِ الفائدةِ خلال هذا العام، مع النبرةِ التشدُّدِيةِ لبيان الفيدرالي دفعتْ مؤشّراتِ الأسواقِ إلى التّراجُعِ بشكلٍ مَلحوظٍ.
وأمّا السنداتُ الأمريكيةُ، فإنّ استمرارَ النبرةِ التشدّديةِ للسياسةِ النقديةِ الفيدراليةِ سيدعمُ بقاءَ عوائدِ السندات عند مستوياتٍ مُرتفِعَةٍ، وسيرتفعُ الطّلبُ عليها، وعلى الدولار الأمريكي أيضًا.
ووصفَ بيانُ الفيدراليِّ الاقتصادَ الأمريكيَّ بأنّه لا يزالُ قويًّا وقادرًا على تَحمُّلِ الفائدةِ المرتفعةِ على الرغم من عدم التَّمكُّنِ من كبحِ جِماحِ التضخّمِ، وهو ما يَدفعُني إلى الاعتقاد بأنّ الأسواقَ ستَتعَوَّدُ على التّعايُشِ (السلميِّ!) مع نِسَبِ تضخّمٍ وفوائِدَ مُرتفِعةٍ نسبيًّا في المَدى المَنظورِ.
