المقالات

التضخم المستهدف وقدرة الفيدرالي على تحقيقه

تمهيد:

قرّر مجلسُ الاحتياطي الفدرالي الأمريكي تثبيتَ أسعار الفائدة عند 3.50% – 3.75%، بأغلبية 9 أصوات مقابل 3 أصوات، في اجتماع  الأربعاء، 29/تموز/ 2026.

وجاء هذا القرار تبعًا لبيانات الاقتصاد الأمريكي، والتي وردتْ متناقضةً ومتشابكةً، ومُحيّرةً لأصحاب القرار، الذين يرزحون تحت وطأة اقتصادٍ معقد وإدارةٍ أمريكية تسعى للسيطرة على مُقدّرات البنك الفيدرالي وقراراته.

البيانات الاقتصادية الأمريكية:

* تباطأَ نموُّ الاقتصاد الأمريكي إلى 1.5% في الربع الثاني في 2026 من 2.1% في الربع الأول، وجاء هذا النمو أسوأَ من التوقّعات البالغة 2%، وتحقّقَ هذا التباطؤ نتيجةَ تزايد تأثير الأوضاع المالية المشدَّدة على النشاط الاقتصادي، ورغم هذا التباطؤ، فإن الطلب المحلي لا يزال قويا، وارتفع إنفاق المستهلكين، الذي يمثّل نحو ثلثَي النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، بمعدل سنوي بلغ 3.2% خلال الربع الثاني، وهذا يعني استمرارُ مرونة الطلب عند الأُسَرِ الأمريكية.

* وأظهرت البيانات الرسمية استمرارَ قوة سوق العمل الأمريكي، بعدما جاءت طلبات إعانات البطالة الأولية أقلَّ من توقّعات الأسواق، في إشارةٍ إلى استمرار محدودية وتيرة تسريح العمال رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي وتشديد السياسة النقدية. وسجّل عدد طلبات إعانات البطالة الأولية خلال الأسبوع الماضي 197 ألف طلب، وهو مستوى جاء أقلّ من توقعات المحللين البالغة 201 ألف طلب، ويحظى أداءُ سوق العمل الأمريكي باهتمام كبير من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي، باعتباره أحدَ أهمّ المؤشرات التي يعتمد عليها البنكُ المركزي في تقييم الضغوط التضخمية واتخاذ قرارات السياسة النقدية.

* أعلن مكتبُ إحصاءات العمل الأمريكي أن مؤشر تكلفة التوظيف، الذي يقيس التغيرات في الأجور والمزايا التي يحصل عليها العاملون، قد ارتفع بنسبة 3.4% خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في شهر حزيران، ورغم هذا الارتفاع الاسمي، أظهرت البيانات أن تكاليف التعويضات، بعد احتساب أثر التضخم، سجّلت تراجعًا، ما يعني أن القوة الشرائية للأجور لم تحقّقْ نموًّا فعليًّا خلال الفترة نفسها، وهذا يعني أن نموَّ تكاليف العمالة في الولايات المتحدة حافظ على وتيرة مستقرّة خلال الربع الثاني من العام، في إشارة إلى أن سوق العمل لا يزال بعيدا عن توليد ضغوط تضخمية إضافية.

* جاءت بيانات مكتب إحصاءات العمل لتؤكّد أن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع 3.5%  على أساس سنوي، في شهر حزيران، وهو أقل مما ظهر في أيار الماضي والبالغ 4.2%على أساس سنوي، كما وارتفع مؤشر التضخم الأساسي (ما عدا الطاقة والغذاء) الى 2.6% على أساس سنوي في شهر حزيران، وهو تراجعٌ واضح عن القراءة السابقة في شهر أيار البالغة 2.9%، وهذا يعني انخفاضٌ في وتيرة التضخم.

تحليل البيانات:

تراجعُ النموِّ يشيرُ لحالة الركود التي يعاني منها الاقتصادُ الأمريكي، واستمرارُ مرونة الطلب المحلي وقوّتُه، ومحدوديةُ وتيرة تسريح العمال، وقوةُ سوق العمل، تشيرُ إلى وجودِ مكامن قوةٍ ونشاطٍ في بنية الاقتصاد، قد تولّدُ ضغوطًا تضخميةً مستقبلًا.

أما معدّل التضخم فلا يزال أعلى بكثير من الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه البنكُ الفيدرالي، والبالغ 2%، وهو هدف يستحيل الوصول إليه في المدى المنظور، بل وفي المدى البعيد أيضا، ويمكن أن نرى ذلك جليا، من خلال فشل قرار تثبيت سعر الفائدة في تهدئة الأسواق أو تعزيز الثقة في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%، من جهة، ومن خلال التأثير العكسي الذي ظهر في عوائد السندات بعد قرار التثبيت من جهة أخرى.

فعلى خلاف ما يحدث، عادةً، بعد تثبيت الفائدة، ارتفعتْ عوائدُ سندات الخزانة الأمريكية طويلةِ الأجل (30 عاما)، في حين تراجعت عوائدُ السندات القصيرة (عامين)، واتّسعَ الفارقُ بين العوائد القصيرة والطويلة بصورة حادّة.

فقد ارتفعَ عائدُ سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما إلى نحو 5.24%، في حين، انخفضَ عائدُ السندات لأجل عامين إلى نحو 4.27%، بعد أن توقّعَ المستثمرون عدمَ احتمالِ رفعٍٍ فوريٍّ للفائدة.

وتجلّت هذه المفارقةُ في نظرة المستثمرين إلى قرار التثبيت، فالأسواقُ خفّضتْ توقّعاتِها لرفع الفائدة في المدى القريب، لكنها في الوقت نفسه رفعتْ تقديراتِها لمخاطر بقاء التضخم مرتفعًا فترةً أطول، وأن احتمالَ تشديد السياسة النقدية من قبل البنك الفيدرالي قائمٌ وسيستمرُّ مُستقبلًا.

لقد أكّدَ رئيسُ الاحتياطي الفدرالي كيفين وارش التزامَه الصارمَ بمُستهدَفِ التضخم البالغ 2%، وتعهّدَ بعدم التردّد في التحرّك عند الضرورة، ولكنه أجّلَ التحرّكَ في اتحاذ قرار رفع الفائدة، وهو ما قد يفرضُ رفعًا أكبرَ للفائدة لاحقًا إذا ظلَّ التضخمُ أعلى من مُستهدَفهِ.

وقد يكونُ بعضُ البيانات الاقتصادية الإيجابية سببا لتثبيت سعر الفائدة، وعدمِ رفعها في الوقت الراهن، إلّا أنني أرى أن مُحاباةَ إدارةِ ترامب كانت السببَ الأقوى لموقف كيفين وارش.

الخلاصة:

إن البياناتَ المتضاربة، واحتواءَ بنيةِ الاقتصاد الأمريكي على مُحرّكاتٍ وضُغوطٍ تضخّميةٍ، وارتفاعَ أسعار السلع والخدمات عالميا، وعوائدَ سندات الخزانة طويلة الأجل، والمخاطرَ الجيوسياسية المُزمِنة، تجعلُ تحقيقَ الفيدراليِّ لمُستهدَفِ التضخّم البالغ 2%، أمرًا في غاية الصعوبة، بل ومستحيلا في المدى المنظور، لذا يجب على كيفين وارش، والمجلسِ الاحتياطي الفيدرالي، أن يُعيدَ النظرَ في هدف التضخّم، ورفعِه إلى ما بين 2% و2.25%، واتخاذِ سياسية نقدية على أساسه قبل فواتِ الأوان، وخشية تحوّلِ التضخّمِ إلى حالةٍ مُزمِنةٍ ومُعانِدَةٍ وراسِخَةٍ عند 3.5%.

نينوى الغد / شوان زنكنة

شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *