في وقت تتعثر فيه مسارات التفاوض بين طهران وواشنطن، تتزايد المؤشرات داخل دوائر القرار الأميركي على وجود تباينات في بنية النظام الإيراني، قد تكون أحد أبرز أسباب تعقيد المشهد السياسي وتأجيل جولات الحوار.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمح أكثر من مرة إلى هذا التباين، مشيراً إلى أن الموقف الإيراني يتسم بازدواجية واضحة، حيث تختلف التصريحات العلنية عن المواقف خلف الكواليس، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سير المفاوضات.
وبدأت هذه الملاحظات تتبلور بعد الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد، حين تبيّن أن مخرجات الوفد الإيراني، برئاسة محمد باقر قاليباف، لم تحظَ بقبول كامل من قيادات الحرس الثوري، وعلى رأسهم أحمد وحيدي، الذي رفض أجزاءً مهمة من التفاهمات المطروحة.
هذا التباين لم يقتصر على الغرف المغلقة، بل ظهر إلى العلن في ملف حساس كـ مضيق هرمز، حين أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي نية إعادة فتحه، قبل أن يتدخل الحرس الثوري معلناً بقاءه مغلقاً مع استثناءات محدودة، ما عكس تضارباً واضحاً في مراكز القرار.
ومع امتناع طهران مؤخراً عن إرسال وفدها إلى الجولة الثانية من المفاوضات، وربطها المشاركة برفع القيود الأميركية عن موانئها، بدا المشهد أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل غياب شخصية محورية كانت تلعب دور “منسق التوازنات” داخل النظام، وهو علي لاريجاني، الذي اغتيل في مارس الماضي.
خليفته محمد باقر ذو القدر لم يتمكن، بحسب تقارير، من ملء هذا الفراغ، ما أفسح المجال أمام صعود نفوذ التيار العسكري، وخاصة الحرس الثوري، في صياغة القرار السياسي.
في هذا السياق، يبرز اسم أحمد وحيدي كأحد أبرز اللاعبين في المرحلة الحالية. الرجل الذي تولى مناصب أمنية وعسكرية بارزة منذ انضمامه إلى الحرس الثوري عام 1979، وتدرج حتى أصبح أول قائد لـ”فيلق القدس”، قبل أن يتولى حقيبتي الدفاع والداخلية في مراحل مختلفة، يُنظر إليه اليوم كصوت مؤثر في معادلة القرار.
ورغم ذلك، يحذر مراقبون من تبسيط المشهد عبر اختزاله بشخص واحد، إذ يشير الباحث علي واعظ إلى أن الحرس الثوري نفسه ليس كتلة واحدة، بل يضم مراكز قوى متعددة، وأن القرارات النهائية تُتخذ ضمن المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث تتقاطع المصالح بين العسكريين والمدنيين.
ويرى واعظ أن ما يبدو “انقساماً” قد يكون في الواقع تماسكاً اضطرارياً فرضته طبيعة المرحلة، حيث تتعامل القيادة الإيرانية مع الصراع الحالي باعتباره معركة وجود، ما يدفع مختلف الأطراف إلى البقاء ضمن إطار موحد رغم التباينات.
ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها ترامب لطهران، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح إيران في إدارة هذا التوازن المعقد، أم أن تضارب مراكز القرار سيقود إلى مزيد من التعثر في لحظة توصف بأنها الأهم لمستقبل النظام؟



إرسال التعليق